تشهد أوروبا في خريف عام 2026 مرحلة جديدة من التوتر الأمني مع روسيا، في وقت تتزايد فيه حوادث الطائرات المسيّرة والاحتكاكات العسكرية في بحر البلطيق والتحذيرات السياسية بشأن احتمال توسع الحرب الروسية الأوكرانية خارج الأراضي الأوكرانية. وخلال الأسابيع الأخيرة وقعت سلسلة من الأحداث التي أثارت قلقاً متزايداً في العواصم الأوروبية، من إسقاط طائرة مقاتلة إيطالية تابعة لحلف شمال الأطلسي «الناتو» طائرة مسيّرة روسية مشتبه بها فوق ليتوانيا، إلى إطلاق فرقاطة روسية قنابل مضيئة باتجاه مروحية عسكرية دنماركية في المياه الدولية، وصولاً إلى تحذيرات بولندية من احتمال تعرض دول داعمة لأوكرانيا لهجمات روسية يمكن تقديمها لاحقاً على أنها حوادث عرضية.
هذه التطورات لا تعني، في حد ذاتها، أن حرباً مباشرة بين روسيا والناتو أصبحت وشيكة. فقد قال الأمين العام لحلف الناتو مارك روته في 30 سبتمبر/أيلول إن الحلف لا يرى تهديداً روسياً وشيكاً لأراضيه، مشيراً إلى أن أي تحرك روسي واسع ضد دول مثل بولندا أو دول البلطيق سيكون من المرجح أن تسبقه استعدادات عسكرية واضحة. لكن سلسلة الحوادث الأخيرة تعكس تغيراً في البيئة الأمنية الأوروبية، خصوصاً على الجناح الشرقي للناتو، حيث أصبحت المسافة بين الحرب في أوكرانيا والأراضي التابعة للحلف أقل وضوحاً مما كانت عليه قبل سنوات.
طائرة مسيّرة روسية فوق ليتوانيا
في 14 سبتمبر/أيلول، أسقطت طائرة مقاتلة إيطالية تعمل ضمن مهمة للناتو طائرة مسيّرة من طراز «غيران-2» يُشتبه في أنها روسية بعد دخولها المجال الجوي الليتواني قادمة من جهة بيلاروسيا. وقالت السلطات الليتوانية إن الطائرة كانت تحمل متفجرات، وإن حطامها عُثر عليه بالقرب من براتكوناي، في محيط كاوناس.
أهمية الحادث لا ترتبط فقط بالطائرة نفسها، وإنما بالمكان الذي سقطت فيه وبالقرار الذي اتخذته طائرة مقاتلة تابعة للناتو. فليتوانيا عضو في الحلف، وتوجد فيها قوات ومنشآت عسكرية تابعة لدول الناتو. وبالتالي فإن دخول طائرة عسكرية روسية أو يُعتقد أنها روسية إلى المجال الجوي الليتواني يضع القوات الأوروبية أمام مشكلة تختلف عن اعتراض طائرة مسيّرة فوق منطقة حرب.
وتأتي هذه الحادثة بعد سلسلة من الإنذارات في منطقة البلطيق. وفي اليوم السابق للحادث، أغلقت السلطات الليتوانية مطار فيلنيوس لفترة وجيزة بعدما أثار جسم مشتبه به في السماء إنذاراً، قبل أن يتبين لاحقاً أنه سرب من الطيور. واستؤنفت حركة المطار بعد أن تحققت طائرة تابعة للناتو من طبيعة الجسم.
هذا النوع من الإنذارات يوضح إحدى المشكلات الجديدة التي تواجهها الدول الأوروبية: عندما تصبح الطائرات المسيّرة جزءاً أساسياً من الحرب الحديثة، يمكن لجسم صغير وغير واضح على شاشات الرادار أن يؤدي إلى تحريك مقاتلات وإغلاق مطارات ورفع مستوى التأهب العسكري خلال دقائق.
حادثة المروحية الدنماركية
بعد حادثة ليتوانيا بفترة قصيرة، وقع احتكاك آخر في بحر البلطيق. وقال الجيش الدنماركي إن فرقاطة روسية أطلقت قنبلتين مضيئتين باتجاه مروحية عسكرية دنماركية من طراز «فينيك» كانت تقوم بمهمة روتينية لتصوير الفرقاطة في المياه الدولية قبالة الدنمارك. ومرت إحدى القنبلتين على مسافة قريبة من المروحية.
وفقاً للجانب الدنماركي، لم يكن هناك تحذير مسبق أو اتصال لاسلكي قبل إطلاق القنابل المضيئة. واستدعت كوبنهاغن السفير الروسي على خلفية الحادث. أما موسكو فقالت إن المروحية الدنماركية قامت بمناورات خطرة بالقرب من السفينة الروسية، وأعلنت أنها تحقق في الواقعة.
لم تعتبر الدنمارك الحادثة في ذلك الوقت سبباً لتفعيل المادة الخامسة من معاهدة الناتو، لأن الواقعة لم تكن هجوماً مباشراً على الأراضي الدنماركية. وهذه النقطة مهمة؛ فليس كل احتكاك عسكري بين روسيا ودولة عضو في الناتو يعني تلقائياً دخول الحلف في حرب.
لكن الحادثة تكشف مدى حساسية بحر البلطيق. فالمنطقة أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكثر المناطق العسكرية نشاطاً في أوروبا، بعد انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو وتزايد الدور العسكري للحلف في دول البلطيق وبولندا.
كما أن المضائق الدنماركية لها أهمية استراتيجية كبيرة لأنها تمثل أحد الطرق الرئيسية لدخول السفن العسكرية والتجارية إلى بحر البلطيق والخروج منه. ولهذا فإن أي احتكاك بين السفن والطائرات العسكرية في المنطقة يمكن أن يحمل مخاطر تتجاوز الحادثة نفسها.
تحذيرات بولندية من هجمات روسية محتملة
في 17 سبتمبر/أيلول، حذر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك من احتمال تعرض دول أعضاء في الناتو تدعم أوكرانيا لهجمات بطائرات مسيّرة أو صواريخ روسية، وقال إن موسكو قد تحاول تقديم مثل هذه الهجمات لاحقاً باعتبارها حوادث عرضية. ونقل راديو بولندا عن توسك أن أجهزة الاستخبارات البولندية تقيّم احتمال تنفيذ ضربات روسية ضد دول تدعم أوكرانيا.
وتزامنت تصريحات توسك مع تصاعد الهجمات الروسية على أوكرانيا، بما في ذلك هجمات وقعت بالقرب من الحدود البولندية. وفي 17 سبتمبر، أطلقت بولندا مقاتلاتها بعد هجوم روسي على مناطق قريبة من حدودها، كما صدرت تحذيرات للسكان في بعض المناطق الحدودية.
بالنسبة لبولندا، فإن المسألة تتجاوز المخاوف النظرية. فالبلاد تقع مباشرة على الحدود مع أوكرانيا وبيلاروسيا وروسيا عبر منطقة كالينينغراد، كما أصبحت مركزاً رئيسياً لنقل المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا.
وفي الوقت نفسه، تستثمر بولندا بشكل متزايد في الدفاع الجوي والقوات المسلحة. ووفق تقارير حديثة، رفعت بولندا إنفاقها الدفاعي بصورة كبيرة منذ بدء الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا، بينما تعمل على تطوير صناعات دفاعية محلية وأنظمة مضادة للطائرات المسيّرة.
17 سبتمبر 1939 يعود إلى الخطاب السياسي
تزامنت تصريحات توسك مع ذكرى دخول القوات السوفياتية إلى شرق بولندا في 17 سبتمبر 1939، وهو تاريخ يحمل حساسية كبيرة في الذاكرة البولندية.
وفي المناسبة نفسها، تحدث الرئيس البولندي كارول ناوروتسكي عن الحرب الهجينة والتهديدات الروسية، وربطها بذاكرة ما حدث في سبتمبر 1939. وتظهر تصريحات الرئيس البولندي المنشورة في 17 سبتمبر تركيزاً واضحاً على الأمن في الحدود الشرقية، والذاكرة التاريخية، ودور الناتو في حماية أوروبا.
هذا الربط بين الماضي والحاضر ليس مجرد مسألة تاريخية. ففي بولندا ودول البلطيق، ينظر كثير من المسؤولين إلى تجربة القرن العشرين باعتبارها جزءاً من تفسير المخاوف الأمنية الحالية. أما موسكو فتقدم رواية مختلفة عن تاريخ الحرب العالمية الثانية ودور الاتحاد السوفياتي في أوروبا.
وهنا تظهر مسألة الذاكرة التاريخية باعتبارها جزءاً من الصراع السياسي والأمني الحالي.
صراع الروايات حول الحرب العالمية الثانية
تستخدم القيادة الروسية بشكل متكرر ذكرى الانتصار السوفياتي على ألمانيا النازية في الخطاب السياسي. وفي احتفالات يوم النصر، يركز الرئيس فلاديمير بوتين على الدور الذي لعبه الاتحاد السوفياتي في هزيمة ألمانيا النازية، ويصف ذلك الانتصار بأنه جزء أساسي من الهوية الوطنية الروسية. وفي احتفالات عام 2026، أكد بوتين أهمية حفظ الذاكرة المتعلقة بالحرب ودور الشعب السوفياتي في هزيمة النازية.
لكن دولاً في أوروبا الشرقية، وبينها بولندا ودول البلطيق، ترى التاريخ بطريقة مختلفة، خصوصاً فيما يتعلق بما حدث بعد دخول الجيش السوفياتي إلى أجزاء من أوروبا الشرقية في نهاية الحرب العالمية الثانية.
وقد وثقت وزارة الخارجية الأميركية في دراسة سابقة خلافات حادة حول طريقة تقديم الكرملين لتاريخ الحرب العالمية الثانية، مشيرة إلى أن بوتين استخدم سرديات الحرب لتأكيد أهداف سياسية معاصرة، وأن بولندا ودول البلطيق اعترضت على بعض الروايات الروسية بشأن أحداث عام 1939 وما بعده.
ولهذا فإن عبارة أن روسيا «تعيد كتابة التاريخ» تحتاج إلى وضعها في سياق الخلاف بين روايتين تاريخيتين مختلفتين. موسكو تؤكد دور الاتحاد السوفياتي في تحرير أوروبا من النازية، بينما تركز دول شرق أوروبا على أن نهاية الاحتلال الألماني لم تعنِ بالنسبة إليها عودة فورية إلى السيادة السياسية الكاملة، بل جاءت بعدها عقود من الهيمنة السوفياتية.
هذا الخلاف التاريخي أصبح أكثر حضوراً منذ بداية الحرب الروسية على أوكرانيا، لأن الطرفين يستخدمان التاريخ لتفسير الحاضر.
كالينينغراد: نقطة التقاء الجغرافيا والتصعيد
من أكثر المناطق حساسية في المواجهة الحالية منطقة كالينينغراد الروسية. وهي جيب روسي يقع بين بولندا وليتوانيا على بحر البلطيق، ويضم منشآت عسكرية روسية مهمة.
وفي 30 سبتمبر/أيلول، كشفت تقارير عن تحذير روسي للناتو من أن موسكو قد تلجأ إلى استخدام الأسلحة النووية إذا حاول الحلف عزل كالينينغراد، كما حذرت روسيا من إمكانية استهداف مراكز صنع القرار في دول الناتو في حال تصاعد المواجهة.
الناتو رد بأن تحركاته لا تهدف إلى تهديد سلامة الأراضي الروسية، بينما أكد الأمين العام مارك روته أن الحلف لا يرى في الوقت الحالي تهديداً روسياً وشيكاً لأراضيه.
وهذه التصريحات توضح طبيعة الأزمة الحالية: الخطاب العسكري والسياسي أصبح أكثر حدة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الطرفين قررا الدخول في حرب مباشرة.
الخطر الأكبر يكمن في احتمال سوء التقدير.
فحادثة طائرة مسيّرة قد تبدأ كخطأ ملاحي أو عملية مرتبطة بالحرب في أوكرانيا، لكنها إذا أدت إلى مقتل أشخاص داخل دولة عضو في الناتو فقد تتحول إلى أزمة سياسية وعسكرية. وبالمثل، يمكن لاحتكاك بين سفينة روسية وطائرة تابعة لدولة أوروبية أن يتطور بسرعة إذا وقع تصادم أو سقط قتلى.
الحرب الهجينة تتسع
المواجهة بين روسيا وأوروبا لا تقتصر على الطائرات والسفن والصواريخ. خلال الفترة الأخيرة تحدث مسؤولون أوروبيون عن هجمات إلكترونية وأعمال تخريب وعمليات تضليل واستخدام الطائرات المسيّرة كأدوات للضغط.
وقال القائد الأعلى لقوات الناتو في أوروبا، أليكسوس جرينكويتش، أمام مشرعين أوروبيين في سبتمبر إن الدول الأوروبية يجب أن تدين وتنسب إلى روسيا أعمالاً مثل التخريب والهجمات الإلكترونية والتوغلات بالطائرات المسيّرة. واعتبر أن مثل هذه الأنشطة تهدف إلى إضعاف الدعم الأوروبي لأوكرانيا.
كما بدأ الناتو في 11 سبتمبر مهمة «الحارس الشرقي» أو Eastern Sentry لتعزيز المراقبة والدفاع على الجناح الشرقي، بمشاركة دول من بينها الدنمارك وفرنسا وبريطانيا وألمانيا. ووفق تصريحات قيادة الناتو، تراجعت أنشطة الطائرات المسيّرة الروسية قرب حدود البلطيق وبولندا بعد بدء المهمة، رغم استمرار المخاوف الأمنية.
المفهوم الجديد للحرب الهجينة يجعل تحديد لحظة بدء المواجهة أكثر صعوبة. ففي الحرب التقليدية يمكن تحديد الهجوم من خلال صاروخ أو دبابة أو طائرة. أما في الحرب الهجينة فقد يبدأ التصعيد بهجوم إلكتروني، أو تخريب بنية تحتية، أو حملة تضليل، أو حادثة بحرية، أو طائرة مسيّرة يصعب تحديد الجهة التي أطلقتها.
أوروبا تعيد بناء دفاعاتها
هذه التطورات دفعت الحكومات الأوروبية إلى إعادة النظر في منظومات الدفاع الجوي ومراقبة الحدود والبنية التحتية الحيوية.
وفي 28 سبتمبر، وافقت دول الاتحاد الأوروبي على خمسة مشاريع دفاعية مشتركة تركز على مجالات الفضاء والبحر والدفاع الجوي والطائرات المسيّرة، في خطوة تهدف إلى تطوير قدرات أوروبية مشتركة.
وفي بولندا، أعلنت الحكومة عن إجراءات جديدة لتسريع قرارات الدفاع الجوي. ووفق تقرير رويترز في 30 سبتمبر، ستدخل قواعد جديدة حيز التنفيذ في أكتوبر تسمح بتسريع إجراءات التعامل مع التهديدات الجوية، بما في ذلك إلغاء شرط التعرف البصري على بعض الأهداف قبل اتخاذ قرار الاشتباك.
أما دول البلطيق فتعمل أيضاً على تطوير وسائل أقل تكلفة لمواجهة الطائرات المسيّرة. وتبحث لاتفيا في إنشاء أنظمة دفاعية تعتمد على التكنولوجيا المستخدمة في أوكرانيا لمواجهة الطائرات المسيّرة، بهدف تقليل الاعتماد على الطائرات المقاتلة والصواريخ المكلفة لاعتراض طائرات صغيرة منخفضة التكلفة.
هل تقترب أوروبا من حرب مباشرة؟
الإجابة الحالية ليست واضحة، لكن المعطيات المتاحة لا تشير إلى أن حرباً مباشرة بين روسيا والناتو بدأت أو أن هجوماً روسياً واسعاً على أراضي الحلف أصبح أمراً مؤكداً.
في المقابل، أصبحت المخاطر أكثر وضوحاً. فروسيا تخوض حرباً واسعة في أوكرانيا، وأوروبا تقدم دعماً عسكرياً وسياسياً واقتصادياً لكييف، بينما تعمل دول الناتو على تعزيز دفاعاتها على الحدود الشرقية.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفى في مايو 2026 الاتهامات الغربية بأن روسيا تستعد لحرب مع أوروبا، ووصف تلك الادعاءات بأنها كاذبة، مؤكداً أن موسكو لا تملك نوايا عدوانية تجاه الدول الأوروبية.
وفي الوقت نفسه، تشير دول أوروبية وحلف الناتو إلى سلسلة من الحوادث التي تعتبرها جزءاً من سلوك روسي أكثر خطورة، بينما ترفض موسكو عدداً من هذه الاتهامات وتقدم تفسيرات مختلفة للحوادث.
وبالتالي فإن الصورة الحالية تقوم على مفارقة واضحة: الخطاب المتبادل أصبح أكثر حدة، والقدرات العسكرية الأوروبية تتوسع، والحوادث على الحدود والمياه الدولية تتزايد، لكن الطرفين ما زالا يتجنبان الانتقال إلى مواجهة عسكرية مباشرة شاملة.
الخطر الحقيقي: سوء الحساب
ربما يكون أخطر ما تواجهه أوروبا في المرحلة الحالية ليس قراراً معلناً ببدء حرب جديدة، وإنما سلسلة من الأحداث الصغيرة التي يمكن أن تتراكم وتخرج عن السيطرة.
طائرة مسيّرة تدخل المجال الجوي الخطأ، مقاتلة تحاول اعتراضها، سفينة تقترب من طائرة عسكرية، أو هجوم إلكتروني يؤدي إلى تعطيل بنية تحتية حساسة. كل حادثة من هذه الحوادث يمكن احتواؤها سياسياً، لكن تكرارها يزيد احتمال وقوع خطأ بشري أو قرار عسكري سريع تحت الضغط.
ولهذا فإن مستقبل الأمن الأوروبي يعتمد، إلى جانب القوة العسكرية، على وجود قنوات اتصال تمنع الحوادث من التحول إلى مواجهات، وعلى قدرة الحكومات على التمييز بين الهجوم المتعمد والحادث العرضي، وعلى وجود آليات واضحة لإدارة الأزمات.
وفي الوقت ذاته، تبقى الحرب في أوكرانيا العامل الرئيسي الذي يغذي التوتر بين موسكو والعواصم الأوروبية. فكلما استمرت الحرب، بقيت الحدود بين الحرب الأوكرانية والأمن الأوروبي أكثر هشاشة.
أوروبا أمام مرحلة أمنية مختلفة
لم تعد المخاطر الأمنية في أوروبا مرتبطة فقط بالسيناريو التقليدي المتمثل في عبور جيش لحدود دولة أخرى. الطائرات المسيّرة، الهجمات الإلكترونية، التخريب، الحرب المعلوماتية، الاحتكاكات البحرية والضغط على البنية التحتية أصبحت جميعها جزءاً من الحسابات الأمنية الأوروبية.
وتشير التطورات الأخيرة في ليتوانيا والدنمارك وبولندا وبحر البلطيق إلى أن دول أوروبا الشرقية والشمالية تتعامل مع مستوى أعلى من المخاطر مقارنة بما كان سائداً قبل الحرب الروسية واسعة النطاق على أوكرانيا.
لكن وصف الوضع الحالي بأنه عودة كاملة إلى «أحلك أيام الحرب الباردة» يبقى توصيفاً سياسياً يحتاج إلى الحذر، لأن طبيعة المواجهة الحالية تختلف عن النظام الدولي الذي كان قائماً خلال الحرب الباردة. ومع ذلك، فإن المقارنة تظهر حجم القلق الموجود في بعض العواصم الأوروبية، خصوصاً في الدول القريبة جغرافياً من روسيا.
وفي نهاية سبتمبر، كانت الرسالة الصادرة من الناتو مزدوجة: تعزيز القدرات العسكرية والاستعداد للتهديدات، مع التأكيد في الوقت نفسه على عدم وجود تهديد روسي وشيك لأراضي الحلف.
وبينما تستعد أوروبا لمزيد من الاضطرابات الأمنية، تبقى النتيجة الأهم مرتبطة بمسار الحرب في أوكرانيا والعلاقة المستقبلية بين روسيا والغرب. فإذا استمرت المواجهة دون قنوات فعالة لخفض التصعيد، فإن مخاطر الحوادث الحدودية والاحتكاكات العسكرية ستظل قائمة. أما إذا ظهرت ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، فقد تبدأ مساحة التوتر في الانحسار تدريجياً.
في الوقت الراهن، تبدو أوروبا أمام واقع أمني جديد: روسيا والناتو لا يخوضان حرباً مباشرة، لكنهما يتحركان في بيئة تزداد فيها الاحتكاكات والشكوك والاستعدادات العسكرية. وبين الطائرات المسيّرة فوق دول البلطيق والسفن الروسية في بحر البلطيق والتحذيرات البولندية والجدل التاريخي حول عام 1939، أصبحت أوروبا أكثر وعياً بأن المسافة بين الحرب الدائرة في أوكرانيا والأمن المباشر لدول القارة لم تعد كما كانت في السابق.
