أصبحت قضية تسميم العميل الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا في مدينة سالزبوري البريطانية عام 2018 واحدة من أكثر عمليات الاستخبارات السرية إثارة للجدل في أوروبا خلال السنوات الأخيرة. فقد بدأت العملية باعتبارها محاولة لقتل شخص محدد، لكنها تحولت إلى أزمة أمنية واسعة بعدما انتشر أثر مادة «نوفيتشوك» السامة في أماكن مدنية، وانتهت بمقتل امرأة بريطانية لا علاقة لها بالعملية.
في قلب هذه القضية ظهرت وحدة تابعة للاستخبارات العسكرية الروسية، تعرف باسم «الوحدة 29155»، أو «مركز التدريب المتخصص الـ161». وقد أصبحت هذه الوحدة معروفة في الأوساط الأمنية الغربية بسبب اتهامات بارتباطها بعمليات سرية خارج روسيا، من بينها محاولة اغتيال سيرغي ويوليا سكريبال في سالزبوري.
وبعد سنوات من التحقيق، خلص التحقيق العام المستقل في وفاة داون ستورجس إلى أن العملية التي استهدفت سكريبال كانت مرتبطة بالوحدة 29155، وأن المسؤولين عنها يتحملون المسؤولية الأخلاقية عن وفاة ستورجس. كما خلص التحقيق إلى أن العملية حظيت بموافقة على أعلى مستوى في الدولة الروسية، بما في ذلك الرئيس فلاديمير بوتين، وفق النتائج التي أعلنتها السلطات البريطانية في ديسمبر/كانون الأول 2025.
ما هي الوحدة 29155؟
تعد مديرية الاستخبارات الرئيسية التابعة لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، والمعروفة اختصاراً باسم GRU، واحدة من أهم أجهزة الاستخبارات العسكرية في روسيا.
وتضم هذه المنظومة وحدات متعددة، لكل منها مهام وقدرات مختلفة. ومن بينها الوحدة 29155، التي تعرف أيضاً باسم «مركز التدريب المتخصص الـ161».
لفترة طويلة بقيت أنشطة هذه الوحدة بعيدة عن أنظار الجمهور. لكن سلسلة من التحقيقات الغربية ربطتها بعمليات سرية خارج الأراضي الروسية.
وبحسب التقييمات الحكومية البريطانية المنشورة في عام 2026، ارتبط اسم الوحدة 29155 بمحاولة اغتيال سيرغي ويوليا سكريبال في سالزبوري عام 2018، كما ربطتها السلطات البريطانية بانفجارات مستودع للذخيرة في فربيتسه في جمهورية التشيك عام 2014، وبأنشطة إلكترونية استهدفت أوكرانيا ودولاً أخرى.
وتقول بريطانيا إن الوحدة طورت أيضاً قدرات إلكترونية، وإن عناصر مرتبطة بها شاركت في عمليات استهدفت مؤسسات حكومية وأهدافاً أخرى.
وهكذا لم يعد اسم «29155» مرتبطاً في الخطاب الأمني الغربي بعملية سالزبوري وحدها، وإنما أصبح جزءاً من ملف أوسع يتعلق بما تسميه لندن «العمليات الروسية الهجينة» التي تجمع بين أنشطة استخباراتية وسرية وإلكترونية وتخريبية.
من هو سيرغي سكريبال؟
كان سيرغي سكريبال ضابطاً سابقاً في الاستخبارات العسكرية الروسية. وفي وقت لاحق أدين في روسيا بتهمة التجسس لصالح بريطانيا.
بعد عملية تبادل للجواسيس بين روسيا والولايات المتحدة عام 2010، انتقل سكريبال إلى بريطانيا واستقر هناك.
وبحلول عام 2018 كان يعيش في مدينة سالزبوري، جنوب إنجلترا.
كان سكريبال شخصية حساسة بالنسبة إلى موسكو بسبب ماضيه في الاستخبارات الروسية. ولهذا السبب، عندما تعرض هو وابنته يوليا للتسميم في مارس/آذار 2018، بدأ المحققون البريطانيون في التعامل مع الحادث باعتباره عملية اغتيال محتملة وليس مجرد حادث تسمم عادي.
4 مارس 2018.. بداية الأزمة
في 4 مارس/آذار 2018، عُثر على سيرغي سكريبال وابنته يوليا في حالة خطيرة بمدينة سالزبوري.
سرعان ما تبين أن الرجل والمرأة تعرضا لمادة شديدة السمية من نوع «نوفيتشوك»، وهي مادة عصبية مرتبطة تاريخياً ببرامج الأسلحة الكيميائية السوفيتية.
كان استخدام مادة من هذا النوع في منطقة مدنية أمراً بالغ الخطورة، لأن المادة يمكن أن تؤثر في أشخاص لا علاقة لهم بالهدف الأصلي.
بدأت الشرطة البريطانية عملية تحقيق واسعة. واستُخدمت آلاف الساعات من تسجيلات كاميرات المراقبة، كما جرى الاستماع إلى عدد كبير من الشهود وفحص حركة الأشخاص الذين وصلوا إلى بريطانيا قبل الهجوم وبعده.
وفي سبتمبر/أيلول 2018، أعلنت السلطات البريطانية أن رجلين دخلا بريطانيا مستخدمين اسمي ألكسندر بيتروف وروسلان بوشيروف، وأنهما متهمان بالمشاركة في العملية.
لاحقاً، قالت السلطات البريطانية إن الاسمين كانا اسمين مستعارين، وإن الشخصين هما ألكسندر ميشكين وأناتولي تشيبيغا، وهما من ضباط الاستخبارات العسكرية الروسية GRU.
أناتولي تشيبيغا وألكسندر ميشكين
أصبح أناتولي تشيبيغا وألكسندر ميشكين من أبرز الأسماء المرتبطة بقضية سالزبوري.
وبحسب السلطات البريطانية، استخدم الرجلان هويات وأسماء مستعارة أثناء وجودهما في بريطانيا.
وفي عام 2018 قالت الحكومة البريطانية إن الأدلة التي جمعتها الشرطة سمحت للادعاء بتوجيه اتهامات تتعلق بالتآمر لقتل سيرغي سكريبال، ومحاولة قتل سيرغي ويوليا سكريبال وضابط الشرطة نيك بيلي، إلى جانب استخدام وحيازة مادة نوفيتشوك.
وأكدت السلطات البريطانية في ذلك الوقت أن التحقيق ربط الرجلين أيضاً بحادث تسميم داون ستورجس وتشارلي رولي في أمزبري.
ووفق القائمة البريطانية للعقوبات، فإن ألكسندر ميشكين، المعروف أيضاً باسم ألكسندر بيتروف، اتُّهم بحيازة ونقل واستخدام مادة نوفيتشوك في سالزبوري خلال عطلة نهاية الأسبوع التي شهدت الهجوم في مارس/آذار 2018.
كيف استُخدم نوفيتشوك؟
كانت إحدى النقاط الأساسية في التحقيق هي الطريقة التي وصلت بها المادة السامة إلى منزل سكريبال.
كشفت التحقيقات البريطانية أن مادة نوفيتشوك وُضعت على مقبض الباب الأمامي لمنزل سيرغي سكريبال.
وكانت الفكرة، وفق التحقيقات، أن يؤدي لمس المقبض إلى تعرض الهدف للمادة السامة.
لكن هذه الطريقة حملت معها خطراً كبيراً. فمقبض باب المنزل ليس شيئاً يلمسه شخص واحد فقط. ويمكن لأفراد الأسرة أو الزوار أو رجال الشرطة أو أي شخص آخر أن يلمسوه.
وبالفعل، تعرض أشخاص آخرون للمادة.
وفي وقت لاحق أكدت السلطات البريطانية أن المادة نفسها التي استخدمت في تسميم سكريبال وابنته كانت مرتبطة أيضاً بحادث أمزبري الذي أدى إلى وفاة داون ستورجس.
من سالزبوري إلى أمزبري
بعد تسميم سكريبال وابنته، لم تنته قصة نوفيتشوك.
ففي يونيو/حزيران 2018، وبعد نحو أربعة أشهر من محاولة اغتيال سكريبال، تعرضت داون ستورجس وتشارلي رولي للمادة السامة في منطقة أمزبري القريبة من سالزبوري.
في البداية لم يكن واضحاً كيف تعرض الاثنان للمادة.
ثم ظهرت قطعة مهمة من الأدلة.
كانت هناك زجاجة عطر صغيرة من نوع «نينا ريتشي» عثر عليها تشارلي رولي، ثم قدمها إلى داون ستورجس كهدية.
لكن الزجاجة لم تكن تحتوي على عطر عادي.
كانت ملوثة بمادة نوفيتشوك.
وفي 30 يونيو/حزيران 2018، استخدمت داون ستورجس محتوى الزجاجة على جسدها، من دون أن تعرف أن المادة الموجودة بداخلها سامة.
بعد ذلك بدأت حالتها الصحية في التدهور.
وفاة داون ستورجس
نُقلت داون ستورجس إلى مستشفى سالزبوري، لكنها توفيت في 8 يوليو/تموز 2018.
أكدت السلطات أن سبب وفاتها كان التسمم بمادة نوفيتشوك. وكان تشارلي رولي قد تعرض أيضاً للمادة لكنه نجا.
وبذلك تحولت قضية سالزبوري من محاولة اغتيال شخصين إلى قضية قتل راح ضحيتها شخص لم يكن هدفاً للعملية.
وأكدت الحكومة البريطانية في سبتمبر/أيلول 2018 أن داون ستورجس وتشارلي رولي لم يكونا مستهدفين عمداً، وأنهما وقعا ضحية التخلص المتهور من المادة السامة. كما أعلنت أن الزجاجة الصغيرة التي عُثر عليها كانت تحتوي على المادة نفسها المستخدمة في الهجوم على سكريبال.
وهذه النقطة أصبحت لاحقاً محوراً أساسياً في التحقيق المستقل في وفاة داون.
تحقيق داون ستورجس
بعد وفاة داون ستورجس، استمرت التحقيقات لسنوات.
وفي عام 2021 قررت الحكومة البريطانية إنشاء تحقيق مستقل لدراسة الظروف التي أدت إلى وفاتها. وتم تأسيس التحقيق رسمياً في مارس/آذار 2022 برئاسة اللورد هيوز من أومبرسلي.
وبعد جلسات استماع وتحقيقات استمرت فترة طويلة، نُشر التقرير النهائي في 4 ديسمبر/كانون الأول 2025. وأكدت الحكومة البريطانية أن التقرير تناول ظروف وفاة ستورجس، ومسار عملية التسميم، ومسؤولية الأطراف المرتبطة بها.
وكان التقرير مهماً لأنه لم يركز فقط على كيفية تعرض داون للسم، وإنما بحث أيضاً في العملية التي أدت إلى وجود نوفيتشوك في بريطانيا، والجهات التي تقف وراء محاولة اغتيال سكريبال.
مسؤولية الوحدة 29155
خلص التحقيق إلى أن الأشخاص المرتبطين بعملية اغتيال سكريبال كانوا مسؤولين أخلاقياً عن وفاة داون ستورجس.
وفي البرلمان البريطاني، عُرضت نتائج التحقيق على أنها تؤكد أن العملية كانت شديدة الخطورة، وأن استخدام مادة عصبية شديدة السمية في مدينة مأهولة جعل خطر إصابة أشخاص آخرين أمراً متوقعاً.
كما خلص رئيس التحقيق إلى أن العملية كان لا بد أن تحصل على موافقة في أعلى مستويات الدولة الروسية، بما في ذلك الرئيس فلاديمير بوتين.
وتعد هذه النتيجة من أهم ما خرج به التحقيق بعد سنوات من قضية سالزبوري.
ففي عام 2018 كانت الحكومة البريطانية قد قالت إن العملية مرتبطة بالدولة الروسية، وإنها تعتقد أن الموافقة جاءت من مستوى رفيع خارج الوحدة نفسها. أما التحقيق المستقل الذي نُشر في 2025 فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، وربط الموافقة بأعلى مستوى في الدولة الروسية، وفق ما أعلنته الحكومة البريطانية.
روسيا تنفي الاتهامات
منذ بداية أزمة سالزبوري، رفضت روسيا الاتهامات البريطانية.
وقدمت موسكو روايات مختلفة بشأن الحادث، بينما أصرت لندن على أن الأدلة التي جمعتها الشرطة وأجهزة الاستخبارات تشير إلى تورط عناصر من الاستخبارات العسكرية الروسية.
وكانت الحكومة البريطانية قد أعلنت في عام 2018 أن التحقيق الجنائي جمع أدلة كافية لتوجيه اتهامات إلى الرجلين اللذين دخلا البلاد تحت اسمي بيتروف وبوشيروف.
كما قالت إن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أكدت استخدام المادة نفسها في الحادثين.
قضية تجاوزت حدود بريطانيا
لم تتوقف أهمية الوحدة 29155 عند حادث سالزبوري.
فبحسب التقييم البريطاني المنشور في يوليو/تموز 2026، ربطت السلطات الوحدة بعدد من العمليات الأخرى، من بينها انفجارات مستودعات الذخيرة في فربيتسه في جمهورية التشيك عام 2014.
كما قالت بريطانيا إن الوحدة تمتلك جناحاً إلكترونياً وأنها شاركت في عمليات إلكترونية استهدفت أوكرانيا ودولاً في الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي.
وتقول الحكومة البريطانية إن أنشطة الوحدة شملت أيضاً عمليات تخريب إلكتروني ومحاولات لجمع المعلومات واستهداف مؤسسات حكومية.
وهذا التطور جعل اسم 29155 يظهر في ملف أوسع يتعلق بما تسميه الحكومات الغربية «التهديدات الهجينة».
من الاغتيالات إلى الهجمات الإلكترونية
التغير في طبيعة أنشطة الوحدة مهم لفهم سبب اهتمام الأجهزة الأمنية الغربية بها.
فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بعمليات ميدانية سرية مثل سالزبوري.
وتقول بريطانيا إن الوحدة طورت قدرات إلكترونية استُخدمت في عمليات ضد أهداف مرتبطة بأوكرانيا ودول أوروبية وحلف شمال الأطلسي.
وفي تقييمها لعام 2026، أشارت الحكومة البريطانية إلى أن الوحدة 29155، إلى جانب وحدتين أخريين من GRU هما 26165 و74455، تمتلك قدرات إلكترونية مرتبطة بأنشطة الاستخبارات العسكرية الروسية.
وتقول لندن إن هذه الأنشطة جزء من أدوات أوسع تستخدمها روسيا لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية خارج حدودها.
لماذا أثارت قضية سالزبوري كل هذا الاهتمام؟
تختلف قضية سالزبوري عن العديد من عمليات التجسس التقليدية في نقطة أساسية: استخدام مادة كيميائية شديدة الخطورة في منطقة مدنية.
لو كانت العملية قد استهدفت شخصاً واحداً بطريقة لا تعرض الآخرين للخطر، لكانت القضية مختلفة من الناحية الأمنية.
لكن استخدام مادة نوفيتشوك على مقبض باب منزل في مدينة مأهولة يعني أن أي شخص يمكن أن يصبح ضحية.
وهذا ما حدث بالفعل.
نجا سيرغي سكريبال وابنته يوليا.
وتعرض ضابط الشرطة نيك بيلي أيضاً للتسمم.
وأصيب تشارلي رولي.
أما داون ستورجس، فقد فقدت حياتها.
وتحولت العملية التي كان هدفها المعلن، وفق التحقيقات البريطانية، قتل شخص محدد إلى حادث أدى إلى إصابة أشخاص آخرين ووفاة امرأة لا علاقة لها بالصراع الاستخباراتي.
وفاة امرأة غيرت مسار القضية
تمنح وفاة داون ستورجس القضية بعداً إنسانياً مختلفاً.
فهي لم تكن ضابطة استخبارات، ولم تكن مرتبطة بالحكومة الروسية أو البريطانية، ولم تكن طرفاً في عمليات التجسس.
كانت مواطنة بريطانية وجدت نفسها أمام مادة قاتلة دون أن تعرف حقيقتها.
وعندما استخدمت زجاجة العطر، لم تكن تعرف أنها تحمل آثار العملية التي وقعت قبل أشهر في سالزبوري.
وهنا تظهر إحدى أكثر النتائج المأساوية للعملية: أن آثارها استمرت في البيئة بعد مغادرة منفذيها، وأن الخطر بقي قائماً حتى بعد مرور أشهر.
تداعيات سياسية وأمنية
بعد نشر تقرير تحقيق داون ستورجس في ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلنت بريطانيا مجموعة جديدة من العقوبات ضد جهاز الاستخبارات العسكرية الروسي GRU.
وقالت الحكومة البريطانية إن التحقيق خلص إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أذن بالعملية التي استهدفت سكريبال.
كما أعلنت لندن فرض عقوبات على جهاز GRU بالكامل وعلى عدد من الأشخاص المرتبطين بأنشطة استخباراتية روسية.
وتقول الحكومة البريطانية إن هذه الإجراءات تهدف إلى مواجهة ما تعتبره أنشطة روسية عدائية داخل بريطانيا وأوروبا.
وهكذا لم تعد قضية سالزبوري مجرد ملف جنائي قديم، بل أصبحت جزءاً من المواجهة الأمنية والسياسية الأوسع بين روسيا وبريطانيا وحلفائهما.
ماذا بقي من قضية سالزبوري؟
بعد مرور سنوات على الحادث، أصبحت أجزاء كبيرة من القصة موثقة في التحقيقات والوثائق الرسمية.
كان سيرغي سكريبال هدفاً لمحاولة اغتيال باستخدام نوفيتشوك.
كانت ابنته يوليا معه وتعرضت للتسمم.
تحولت العملية لاحقاً إلى خطر على آخرين.
استُخدمت زجاجة عطر ملوثة بمادة نوفيتشوك.
وصلت الزجاجة إلى داون ستورجس.
توفيت ستورجس في يوليو/تموز 2018.
وفي عام 2025 خلص التحقيق العام المستقل إلى نتائج أكثر تفصيلاً بشأن مسؤولية منفذي العملية ومستوى الموافقة عليها.
أما الوحدة 29155، فقد أصبحت واحدة من أشهر وحدات الاستخبارات العسكرية الروسية التي ترد أسماؤها في التحقيقات الغربية المتعلقة بالعمليات السرية.
الخلاصة
قصة الوحدة 29155 وسالزبوري ليست مجرد قصة تجسس بين دولتين.
إنها قصة عملية سرية كان هدفها، وفق التحقيقات البريطانية، اغتيال رجل له ماضٍ في الاستخبارات الروسية، لكنها انتهت بموت امرأة بريطانية لم تكن جزءاً من ذلك الصراع.
كان استخدام نوفيتشوك في منطقة مدنية يحمل خطراً واسعاً، وهو ما ظهر عندما انتقلت آثار المادة من منزل سكريبال إلى أماكن أخرى، ثم انتهت في يد شخص لم يكن يعرف طبيعتها.
وبعد سنوات من التحقيقات، أعاد تقرير Dawn Sturgess Inquiry فتح الملف من زاوية أوسع، وربط بين وفاة داون ستورجس والعملية التي استهدفت سكريبال، كما خلص إلى أن العملية حظيت بموافقة على أعلى مستوى في الدولة الروسية، وفق النتائج التي أعلنتها بريطانيا.
أما وحدة 29155، فقد أصبحت اليوم جزءاً من ملف أوسع يتعلق بالعمليات السرية والاستخباراتية والإلكترونية التي تنسبها الحكومات الغربية إلى أجهزة الاستخبارات العسكرية الروسية.
وبالنسبة إلى عائلة داون ستورجس، فإن القضية لا تختصر في أسماء وحدات استخباراتية أو خلافات بين الحكومات. في نهاية هذه العملية بقيت حقيقة واحدة لا يمكن تغييرها: امرأة بريطانية فقدت حياتها بعدما وصلت إليها مادة سامة كانت قد أُدخلت إلى البلاد في إطار عملية استهداف أخرى.
وهذا هو الجانب الأكثر مأساوية في قضية سالزبوري: أن عملية صُممت لضرب هدف محدد تركت وراءها ضحية لم تكن طرفاً في أي حرب أو صراع استخباراتي.
