كشفت دراسة علمية حديثة عن أدلة جديدة يمكن أن تساعد العلماء على فهم أحد الألغاز القديمة في تاريخ القمر، وهو السؤال المتعلق بوجود مجال مغناطيسي قوي حوله في المراحل الأولى من تاريخه وكيف نشأ هذا المجال ثم اختفى مع مرور مليارات السنين. فقد تمكن فريق من الباحثين، من خلال تحليل بيانات جمعتها مركبات فضائية دارت حول القمر، من تحديد تكوين صخري غير عادي في الجانب البعيد من القمر يتميز بكثافة أعلى ومغناطيسية أقوى بكثير من المواد المحيطة به.
ويرى الباحثون أن هذا التكوين الموجود تحت سطح القمر قد يكون بقايا مجمع بركاني قديم، تشكل عندما صعدت الصهارة من أعماق القمر ثم بردت وتصلبت قبل أن تصل إلى سطحه. وإذا صحت هذه الفرضية، فإن الصخور التي تكونت قبل نحو 4.2 مليار سنة ربما احتفظت في بنيتها بآثار المجال المغناطيسي الذي كان موجوداً في القمر خلال تلك الحقبة المبكرة. ونشرت الدراسة في مجلة Science Advances في 23 سبتمبر 2026، في إطار أبحاث تحاول إعادة بناء التاريخ الداخلي للقمر من خلال دراسة الإشارات المغناطيسية الموجودة في قشرته.
ويبلغ عرض الجسم الصخري المكتشف نحو 60 كيلومتراً، بينما يمتد إلى عمق يقارب 9 كيلومترات تحت السطح. ويشير حجم هذه البنية وخصائصها المغناطيسية إلى أنها ليست مجرد قطعة صخرية صغيرة ذات مغناطيسية محلية، بل قد تكون أثراً جيولوجياً مهماً مرتبطاً بتاريخ القمر الداخلي.
ويأتي هذا الاكتشاف في وقت لا يزال فيه العلماء يناقشون طبيعة المجال المغناطيسي الذي امتلكه القمر في الماضي. فالقمر اليوم لا يمتلك مجالاً مغناطيسياً عالمياً نشطاً مثل المجال المغناطيسي للأرض، لكن سطحه يحتوي على مناطق متعددة تحمل آثاراً مغناطيسية متبقية. وتؤكد بيانات ناسا أن القمر يمتلك حالياً مجالاً مغناطيسياً ضعيفاً جداً مقارنة بالأرض، بينما تشير الأدلة الجيولوجية إلى أن قمراً قديماً كان يمتلك مجالاً أقوى بكثير.
لغز بدأ منذ بعثات أبولو
لم يبدأ الاهتمام بالمجال المغناطيسي القديم للقمر مع الدراسة الجديدة. فقد ظهرت أولى الأدلة المهمة خلال عصر بعثات أبولو، عندما أعاد رواد الفضاء عينات من الصخور القمرية إلى الأرض. وعند تحليل هذه العينات في المختبرات، وجد العلماء أن بعض الصخور تحمل مغناطيسية متبقية، وهي إشارة يمكن أن تكون قد تشكلت عندما بردت الصخور في وجود مجال مغناطيسي.
كانت هذه النتائج مهمة لأنها أشارت إلى أن القمر لم يكن دائماً جسماً صخرياً هادئاً من الناحية المغناطيسية كما يبدو اليوم. بل ربما كان يمتلك في الماضي آلية داخلية قادرة على إنتاج مجال مغناطيسي واسع النطاق.
وتوضح ناسا أن بعض العينات القمرية القديمة أظهرت بالفعل آثاراً لمجال مغناطيسي سابق، وأن العلماء طرحوا منذ عقود فكرة وجود ما يسمى بالدينامو القمري، أي حركة المعادن المنصهرة داخل باطن القمر بطريقة تولد تيارات كهربائية ومجالاً مغناطيسياً.
لكن المشكلة لم تكن في إثبات وجود بعض الصخور الممغنطة فقط، بل في معرفة ما إذا كانت تلك المغناطيسية ناتجة عن مجال عالمي كان يحيط بالقمر بأكمله، أم أنها تشكلت نتيجة عمليات محلية مثل النشاط البركاني أو الاصطدامات الكبيرة التي تعرض لها سطح القمر.
وهنا تأتي أهمية الاكتشاف الجديد، لأنه لا يعتمد على عينة صغيرة جلبها رواد الفضاء إلى الأرض، وإنما يستند إلى بيانات مغناطيسية تم جمعها من المدار حول القمر، ومن منطقة تقع على الجانب البعيد منه.
الجانب البعيد من القمر يكشف معلومات جديدة
الجانب البعيد من القمر ظل لفترة طويلة أقل دراسة من الجانب المواجه للأرض. ويرجع ذلك إلى أن القمر يدور حول نفسه بالطريقة نفسها تقريباً التي يدور بها حول الأرض، ولذلك يبقى الجانب نفسه موجهاً نحو كوكبنا بينما يظل الجانب الآخر بعيداً عن الرؤية المباشرة من الأرض.
لكن المركبات الفضائية التي تدور حول القمر أتاحت للعلماء دراسة هذه المناطق بصورة أكثر تفصيلاً. وفي المنطقة المعروفة باسم ديوار، وجد الباحثون إشارة مغناطيسية مرتبطة ببنية صخرية كبيرة مدفونة تحت السطح.
ويعتقد الباحثون أن هذه البنية ربما تكون مرتبطة بنشاط بركاني قديم. فعندما تصعد الصهارة من باطن جرم سماوي ثم تبرد وتتصلب، يمكن لبعض المعادن الموجودة فيها أن تسجل اتجاه وشدة المجال المغناطيسي الموجود في البيئة المحيطة بها في ذلك الوقت.
وبذلك يمكن للصخور أن تعمل بطريقة تشبه سجلاً طبيعياً للمجال المغناطيسي القديم. وعندما يدرس العلماء هذه الإشارات بعد مليارات السنين، يستطيعون محاولة معرفة ما إذا كان القمر يمتلك مجالاً مغناطيسياً في الفترة التي تشكلت فيها الصخور.
كيف يمكن للصخور أن تحفظ ذاكرة مغناطيسية؟
لفهم هذه المسألة، يحتاج الأمر إلى النظر إلى ما يحدث للصخور أثناء تبريدها. تحتوي بعض الصخور البركانية على معادن قادرة على الاحتفاظ باتجاه المجال المغناطيسي الذي كانت موجودة فيه أثناء تشكلها وتبريدها.
وعندما تكون الصخور ساخنة جداً، يمكن للمعادن المغناطيسية أن تتحرك بطريقة تجعل اتجاهها المغناطيسي غير ثابت. لكن عندما تنخفض درجة الحرارة إلى مستوى معين، تصبح هذه المعادن أكثر استقراراً، ويمكن أن تحتفظ بما يشبه البصمة المغناطيسية للبيئة التي تكونت فيها.
وقد استخدم العلماء هذا المبدأ منذ فترة طويلة لدراسة تاريخ المجال المغناطيسي للأرض، كما استخدموه في دراسة الصخور القمرية. وتشير أبحاث ناسا إلى أن المغناطيسية المتبقية في الصخور القمرية تمثل دليلاً مهماً على وجود مجال مغناطيسي قديم.
ومن هنا فإن اكتشاف بنية صخرية مغناطيسية كبيرة على الجانب البعيد من القمر يفتح فرصة جديدة لدراسة هذه الذاكرة المغناطيسية دون الحاجة إلى الحصول على عينة من تلك المنطقة وإعادتها إلى الأرض.
مجال مغناطيسي ربما كان قوياً في الماضي
تشير الدراسة الجديدة إلى أن المجال المغناطيسي للقمر في الفترة التي تشكلت فيها البنية الصخرية ربما كان يتراوح بين خُمس وثلث قوة المجال المغناطيسي للأرض في الوقت الحالي.
وهذا الرقم مهم، لكنه يحتاج إلى وضعه في سياقه العلمي. فالأرض اليوم تمتلك مجالاً مغناطيسياً عالمياً قوياً، ينشأ بصورة رئيسية من حركة المعادن المنصهرة داخل نواتها الخارجية. وتعمل هذه الحركة على توليد تيارات كهربائية، وهذه التيارات بدورها تنتج المجال المغناطيسي الذي يحيط بالأرض.
أما القمر فقد كان أصغر بكثير، ولذلك برد باطنه بسرعة أكبر من باطن الأرض. ومع استمرار فقدان الحرارة، تغيرت الظروف داخل القمر، وتراجع النشاط الذي يمكن أن يحافظ على دينامو داخلي قادر على إنتاج مجال مغناطيسي عالمي.
وتشير ناسا إلى أن القمر ربما كان يمتلك مجالاً مغناطيسياً مهماً خلال جزء كبير من تاريخه المبكر، وأن المجال ضعف بشكل كبير قبل نحو 3.2 مليار سنة، بينما تشير نماذج أخرى إلى أن النشاط المغناطيسي العالمي استمر بدرجات مختلفة بعد ذلك لفترة أطول.
لماذا فقد القمر مجاله المغناطيسي؟
يرتبط هذا السؤال مباشرة بتاريخ باطن القمر. فالمجال المغناطيسي العالمي يحتاج إلى مصدر مستمر للطاقة والحركة داخل الجسم السماوي.
على الأرض، توجد في النواة الخارجية طبقة من المعدن المنصهر تتحرك باستمرار. وتساعد عمليات الحمل الحراري ودوران المادة في توليد التيارات الكهربائية التي تحافظ على المجال المغناطيسي.
أما القمر، فقد كان في بداية تاريخه أكثر حرارة. ومع مرور الزمن فقد حرارته الداخلية تدريجياً، وتغيرت حالة المواد الموجودة في أعماقه. ومع انخفاض تدفق الحرارة والحركة داخل باطنه، أصبح من الصعب استمرار الدينامو الذي كان يمكن أن ينتج مجالاً مغناطيسياً عالمياً.
وقد اقترحت دراسات مختلفة آليات متعددة لتفسير مصدر المجال المغناطيسي القديم للقمر، من بينها تبلور نواة القمر وما ينتج عنه من حرارة وحركة داخلية. وأشارت دراسة ناسا إلى أن تبلور النواة ربما ساهم في تشغيل دينامو قمري في مرحلة قديمة من تاريخ القمر.
ما علاقة المجال المغناطيسي بالغلاف الجوي؟
يكتسب تاريخ المجال المغناطيسي القمري أهمية أكبر عندما نضعه في إطار تطور الغلاف الجوي. فالمجال المغناطيسي للأرض يساعد على حماية بيئتها الفضائية من تأثير الرياح الشمسية والجسيمات المشحونة القادمة من الشمس.
ولا يعني ذلك أن المجال المغناطيسي وحده هو المسؤول عن وجود الغلاف الجوي، لكن وجوده يمكن أن يلعب دوراً مهماً في حماية الغلاف الجوي من بعض عمليات التعرية التي تسببها الرياح الشمسية.
وتشير ناسا إلى أن القمر فقد مجاله المغناطيسي مع تطور باطنه وبرودته، كما أن غلافه الجوي الحالي ضعيف للغاية ولا يوفر حماية كبيرة من الإشعاع الشمسي أو اصطدامات النيازك الدقيقة.
ولهذا فإن معرفة متى كان القمر يمتلك مجالاً مغناطيسياً، ومدى قوته، ومتى بدأ يضعف، يمكن أن تساعد العلماء أيضاً في فهم كيفية تغير بيئة القمر عبر مليارات السنين.
الجدل العلمي لم ينتهِ
رغم أن الأدلة على وجود مجال مغناطيسي قديم للقمر أصبحت واسعة، فإن التفاصيل الدقيقة لا تزال موضع نقاش بين الباحثين.
فقد أظهرت بعض عينات أبولو إشارات مغناطيسية قوية، بينما لم تُظهر عينات أخرى من فترات زمنية قريبة الإشارة نفسها. وهذا الاختلاف أدى إلى تساؤلات حول ما إذا كان المجال المغناطيسي العالمي للقمر ثابتاً، أم أنه تغيرت قوته مع الزمن، أم أنه ربما توقف ثم عاد للعمل في مراحل مختلفة.
وقد أشار الباحثون المشاركون في الدراسة الجديدة إلى أن الجدل حول الدينامو القمري يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما بدأت عينات أبولو تكشف أدلة على المجال المغناطيسي القديم. ومع مرور الوقت، ظهرت نتائج جديدة من تحليل العينات القديمة، وبعضها لم يقدم إشارات مغناطيسية واضحة خلال فترات كان يُعتقد سابقاً أن الدينامو كان نشطاً فيها.
وهذا يعني أن الصورة العلمية لا تزال قيد التطور. فالعلماء لا يحاولون فقط الإجابة عن سؤال “هل كان للقمر مجال مغناطيسي؟”، بل يحاولون تحديد متى بدأ، وكم كانت قوته، وكيف تغير، وما مصدر الطاقة الذي حافظ عليه، ومتى توقف بصورة نهائية.
اكتشاف لا يعتمد على عينات أبولو
من أهم جوانب الدراسة الجديدة أنها تقدم دليلاً من نوع مختلف. فبدلاً من الاعتماد على الصخور التي جلبتها بعثات أبولو، استخدم الباحثون قياسات مغناطيسية مأخوذة من مركبات فضائية في المدار.
وهذا مهم لأن عينات أبولو، رغم قيمتها العلمية الكبيرة، جاءت من مواقع محدودة على سطح القمر. أما القياسات المدارية فتسمح للباحثين بدراسة مناطق واسعة، بما فيها أجزاء من الجانب البعيد الذي لم تصل إليه بعثات مأهولة.
وتوفر هذه الطريقة فرصة لمقارنة مناطق مختلفة من القمر وربط الاختلافات المغناطيسية بالبنية الجيولوجية والعمر والعمليات البركانية والاصطدامات الكبيرة.
وقد أكدت دراسات ناسا السابقة أن القمر يحتوي على مناطق مغناطيسية محلية متبقية منتشرة في القشرة، وأن رسم هذه المناطق مغناطيسياً يمكن أن يقدم معلومات عن تاريخ القمر الداخلي.
ماذا يمكن أن يخبرنا هذا الاكتشاف عن داخل القمر؟
المجال المغناطيسي ليس مجرد ظاهرة تحدث فوق سطح القمر، بل يمكن أن يكون نافذة إلى أعماقه.
فإذا تمكن العلماء من تحديد الزمن الذي كان فيه الدينامو القمري نشطاً، يمكنهم استخدام هذه المعلومات لفهم درجة حرارة النواة، وطبيعة المواد الموجودة فيها، وكيف تغيرت مع الزمن.
كما يمكن أن تساعد هذه المعلومات في تحديد كيفية تطور القمر منذ نشأته. فالقمر الذي كان يمتلك في الماضي نواة نشطة ومجالاً مغناطيسياً قوياً يختلف في تاريخه الداخلي عن قمر لم يمتلك مثل هذا النشاط.
ولهذا يرى الباحثون أن دراسة المجال المغناطيسي القديم يمكن أن تساعد في فهم القمر نفسه، وليس المجال المغناطيسي فقط.
القمر كسجل لتاريخ النظام الشمسي
عمر القمر الذي يمتد إلى أكثر من أربعة مليارات سنة يجعله واحداً من أهم الأجسام لدراسة المراحل المبكرة من تاريخ النظام الشمسي. وعلى عكس الأرض، التي أعادت العمليات الجيولوجية تشكيل أجزاء كبيرة من سطحها، احتفظ القمر بالعديد من آثار الماضي القديم.
توجد على سطحه فوهات اصطدام عمرها مليارات السنين، وصخور قديمة، ومناطق لم تتعرض لإعادة تدوير جيولوجي واسع النطاق كما حدث على الأرض.
ولهذا فإن الصخور القمرية يمكن أن تعمل كسجل طبيعي للأحداث التي وقعت في المراحل المبكرة من النظام الشمسي.
وإذا تمكن العلماء من ربط أعمار الصخور بخصائصها المغناطيسية، فقد يستطيعون بناء خط زمني أكثر دقة لتطور المجال المغناطيسي القمري.
خطوة جديدة في حل لغز قديم
لا تعني الدراسة الجديدة أن جميع الأسئلة المتعلقة بالمجال المغناطيسي القديم للقمر قد حُسمت. لكنها تضيف دليلاً جديداً إلى ملف علمي ظل مفتوحاً منذ عقود.
وجود تكوين صخري كبير ومغناطيسي بقوة على الجانب البعيد من القمر يتوافق مع فكرة أن القمر كان يمتلك في الماضي مجالاً مغناطيسياً مهماً. كما أن عمر هذه البنية، الذي يعود إلى نحو 4.2 مليار سنة، يضعها في فترة مبكرة جداً من تاريخ القمر.
وإذا تأكد أن المغناطيسية الموجودة في هذا التكوين نتجت بالفعل عن مجال قمري عالمي قديم، فإن ذلك سيعزز الأدلة على أن باطن القمر كان نشطاً بدرجة كبيرة في مراحله الأولى.
لكن الباحثين سيحتاجون إلى دراسة مناطق أخرى، ومقارنة بيانات مغناطيسية إضافية، وربطها بالعمر الجيولوجي للصخور قبل الوصول إلى صورة نهائية عن تاريخ المجال المغناطيسي للقمر.
إن الجانب البعيد من القمر، الذي كان بالنسبة للإنسان منطقة غامضة لعقود طويلة، أصبح اليوم مصدراً مهماً للمعلومات العلمية. ومع استمرار المركبات الفضائية في رسم خرائط القمر ودراسة سطحه وباطنه، يمكن أن تظهر المزيد من الأدلة التي تساعد على تحديد كيفية عمل القمر عندما كان لا يزال في بدايات تاريخه.
وفي النهاية، فإن السؤال حول المجال المغناطيسي القديم للقمر يتجاوز مجرد معرفة ما إذا كان القمر يمتلك مجالاً مغناطيسياً أم لا. إنه سؤال عن كيفية ولادة الأجرام الصخرية، وكيف تبرد نواتها، وكيف تتغير بنيتها الداخلية، وكيف تترك هذه التغيرات آثاراً يمكن للعلماء اكتشافها بعد مليارات السنين.
والصخرة المدفونة في الجانب البعيد من القمر قد تكون واحدة من هذه الآثار القديمة. وإذا أكدت الدراسات المستقبلية تفسيرها، فقد تساعد العلماء على الاقتراب خطوة أخرى من فهم الفترة التي كان فيها القمر مختلفاً بصورة كبيرة عن القمر الهادئ الذي نراه اليوم في سماء الأرض.
