براتيسلافا، 20 سبتمبر 2026 — حذر رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيتسو من أن الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا تقترب من مرحلة أكثر خطورة بالنسبة إلى أوروبا، متهماً بعض السياسيين الغربيين بالسعي إلى تحويل الصراع القائم إلى مواجهة مباشرة بين حلف شمال الأطلسي «الناتو» وروسيا، وذلك بعد ما وصفه بفشل استراتيجية غربية كانت تهدف إلى هزيمة موسكو عبر الحرب في أوكرانيا. وقال فيتسو في رسالة مصورة نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي يوم السبت إن أوروبا تواجه، بحسب تعبيره، «خطراً مميتاً»، منتقداً استمرار الدعم الغربي لأوكرانيا، ومعتبراً أن ضخ مزيد من الدعم العسكري في الحرب لم يحقق الهدف الذي أراده بعض السياسيين الغربيين.
وتأتي تصريحات فيتسو في وقت تشهد فيه العلاقات بين روسيا والدول الأوروبية الأعضاء في الناتو توتراً متزايداً، مع تزايد التحذيرات الغربية من احتمال وقوع هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ أو عمليات تخريب وهجمات إلكترونية وغيرها من الأنشطة التي تصفها حكومات أوروبية بأنها جزء من حرب هجينة روسية. وفي المقابل، ترفض موسكو اتهامات غربية مماثلة بشأن تورطها في عدد من الحوادث، بينما ترى حكومات أوروبية أن طبيعة التهديدات الأمنية على حدودها الشرقية تغيرت بصورة واضحة منذ اندلاع الحرب الروسية واسعة النطاق ضد أوكرانيا عام 2022.
وقال فيتسو إن الحرب في أوكرانيا ليست حرباً سلوفاكية ولا حرباً يخوضها حلف الناتو، محذراً من أن بعض ما وصفهم بـ«صقور الحرب» داخل الحلف يسعون إلى دفع الصراع نحو مواجهة مباشرة مع روسيا. وأضاف أن فشل استراتيجية «تدمير روسيا» من خلال الحرب في أوكرانيا دفع بعض السياسيين الغربيين، وفق تقييمه، إلى الاعتقاد بأن عدم تحقيق الهدف عبر الجيش الأوكراني والدعم الكامل له يعني ضرورة البحث عن وسائل أخرى يمكن أن تؤدي إلى اندلاع صراع بين الناتو وروسيا. وهذه التصريحات تمثل موقف فيتسو السياسي، ولا تعني وجود تأكيد مستقل على أن دولاً غربية أو مؤسسات في حلف الناتو تتبنى خطة رسمية لإشعال حرب مباشرة مع روسيا.
ويُعرف فيتسو منذ عودته إلى رئاسة الحكومة السلوفاكية بموقف أكثر تحفظاً تجاه المساعدات العسكرية لأوكرانيا مقارنة بعدد من الحكومات الأوروبية الأخرى. كما حافظ على علاقات سياسية مع موسكو وانتقد بصورة متكررة سياسات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالحرب والعقوبات على روسيا. وفي هذا السياق، يرى فيتسو أن استمرار الحرب يحمل مخاطر مباشرة على بلاده بسبب موقع سلوفاكيا الجغرافي، إذ تشترك مع أوكرانيا في حدود مباشرة، كما أنها عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
وقبل تصريحاته الأخيرة، حذر فيتسو من أن أي حادث يتعلق بطائرة مسيرة أو هجوم داخل أراضي دولة عضو في الناتو يمكن أن يثير نقاشاً حول تفعيل المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي. وتنص المادة الخامسة على أن الهجوم المسلح على عضو في الحلف يُعد هجوماً على جميع الأعضاء، مع التزام كل دولة باتخاذ الإجراءات التي تراها ضرورية لمساعدة الدولة المستهدفة. ولا تعني المادة بالضرورة أن جميع الدول ستتخذ الإجراء العسكري نفسه، لكنها تشكل الأساس القانوني والسياسي لنظام الدفاع الجماعي داخل الحلف.
وأكد فيتسو أنه لا يريد أن تصبح سلوفاكيا طرفاً في حرب نتيجة حادث أو ذريعة مصطنعة، وقال إن اختلاق مبرر لبدء الحرب أمر سهل، مجدداً رفضه إرسال جنود سلوفاكيين للقتال على أساس ما وصفه بذريعة مختلقة. وفي تصريحات سابقة خلال الأسبوع، قال أيضاً إنه يريد منع بلاده من الانجرار إلى نزاع مسلح أوسع، رغم تأكيده أن سلوفاكيا عضو في الناتو وأنها تدرك التزاماتها داخل الحلف.
وتعكس مواقف فيتسو خلافاً سياسياً واضحاً داخل أوروبا بشأن كيفية التعامل مع الحرب الروسية الأوكرانية. فبينما تدعو حكومات أوروبية إلى مواصلة دعم كييف عسكرياً وسياسياً باعتباره وسيلة للضغط على موسكو، ترى حكومات وشخصيات سياسية أخرى أن استمرار التصعيد يزيد احتمالات توسع الحرب ويخلق مخاطر أمنية مباشرة على دول القارة.
وفي فرنسا، اتخذ الرئيس إيمانويل ماكرون موقفاً مختلفاً عن تقييم فيتسو للمخاطر. فقد قال ماكرون يوم الجمعة إن روسيا كثفت حملتها من الهجمات الهجينة ضد أوروبا، مشيراً إلى حادثة محاولة هجوم بطائرة مسيرة في مطار لايبزيغ/هاله بألمانيا في أغسطس باعتبارها مؤشراً على تغير طبيعة التهديد الروسي. وكانت الحكومة الألمانية قد أعلنت في الأول من سبتمبر أن لديها أدلة تشير إلى تورط روسي في محاولة الهجوم التي وقعت في المطار في 4 أغسطس. وقال وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريشت إن نتائج أجهزة الأمن الألمانية وتقييمات شركاء أوروبيين أشارت بوضوح إلى تورط روسي، كما أعلنت برلين نيتها اتخاذ إجراءات عقابية إضافية.
وتقول الحكومات الأوروبية إن مفهوم «الحرب الهجينة» لا يقتصر على العمليات العسكرية التقليدية، وإنما يمكن أن يشمل التخريب، والهجمات الإلكترونية، وحملات التضليل، والعمليات السرية، واستخدام الطائرات المسيرة، والضغط على البنية التحتية الحيوية، وغيرها من الأنشطة التي يمكن أن تحدث دون إعلان حرب تقليدية. وتختلف الحكومات الأوروبية في تقييم حجم هذه الأنشطة وطبيعة الأدلة المتاحة في كل حادث، لكن المخاوف من انتقال تداعيات الحرب إلى أراضي دول الناتو أصبحت جزءاً أساسياً من النقاش الأمني الأوروبي.
وفي بولندا، ذهب رئيس الوزراء دونالد توسك إلى أبعد من ذلك في تحذيراته. وقال أمام البرلمان البولندي يوم الخميس، نقلاً عن أجهزة استخبارات لم يسمها، إن روسيا تخطط لهجمات هجينة باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ ضد دول أوروبية تدعم أوكرانيا، ومن بينها بولندا. وأضاف أن هناك خطراً حقيقياً من سقوط طائرات مسيرة على أراضي دول في الجناح الشرقي لحلف الناتو، مشيراً إلى احتمال أن تصف موسكو مثل هذه الحوادث بأنها أخطاء أو حوادث عرضية بهدف إضعاف تماسك الحلف ورد فعله الجماعي.
ويأتي موقف توسك في ظل الدور الذي تلعبه بولندا في دعم أوكرانيا. فبولندا عضو في الناتو والاتحاد الأوروبي، كما أصبحت أحد المراكز الرئيسية لنقل المساعدات العسكرية والإنسانية الغربية إلى الأراضي الأوكرانية. ولذلك تنظر وارسو إلى أمن حدودها الشرقية باعتباره مرتبطاً بصورة مباشرة بمسار الحرب في أوكرانيا.
وتقول السلطات البولندية إنها رصدت خلال الفترة الأخيرة سلسلة من الحوادث المرتبطة بالطائرات المسيرة أو عمليات التخريب، وتعتقد أن روسيا قد تستخدم وسائل غير تقليدية للضغط على الدول الداعمة لكييف. وفي الوقت نفسه، فإن إثبات المسؤولية عن كل حادث منفرد يتطلب تحقيقات وأدلة مستقلة، ولا يمكن اعتبار كل واقعة مرتبطة بالطائرات المسيرة دليلاً تلقائياً على قرار روسي بشن هجوم على الناتو.
هذا التباين بين تصريحات فيتسو من جهة وتحذيرات ماكرون وتوسك من جهة أخرى يعكس الانقسام الأوسع داخل أوروبا بشأن طبيعة الخطر الذي تمثله الحرب. فيتسو يركز على خطر أن يؤدي التصعيد الغربي إلى مواجهة مباشرة بين الناتو وروسيا، بينما يركز قادة مثل ماكرون وتوسك على خطر أن تكون روسيا نفسها قد بدأت بالفعل في توسيع أدوات الصراع من المجال العسكري داخل أوكرانيا إلى عمليات هجينة تستهدف الدول الداعمة لكييف.
وتكمن حساسية الوضع في أن أي حادث عسكري داخل أراضي دولة عضو في الناتو قد يثير تساؤلات صعبة حول كيفية الرد. فالدول الأعضاء تحاول من جهة حماية أراضيها وردع أي هجمات محتملة، لكنها تواجه من جهة أخرى خطر سوء التقدير أو التصعيد غير المقصود. وإذا وقع هجوم كبير وأثبتت التحقيقات مسؤولية دولة خارج الحلف، فقد يصبح الضغط السياسي والعسكري على الحكومات الأوروبية كبيراً لاتخاذ إجراءات مشتركة.
وفي المقابل، فإن أي رد عسكري مباشر بين الناتو وروسيا سيحمل مخاطر مختلفة تماماً عن الحرب الحالية، لأن روسيا تمتلك ترسانة نووية كبيرة، كما أن الولايات المتحدة ودولاً أوروبية رئيسية داخل الناتو تمتلك قدرات نووية أيضاً. ولهذا السبب، ظلت مسألة تجنب الصدام المباشر بين روسيا والحلف من أهم الاعتبارات في إدارة الأزمة منذ بداية الحرب واسعة النطاق.
ويحذر فيتسو من أن الحوادث الصغيرة يمكن أن تتحول إلى أزمة أكبر إذا استخدمت كذريعة لاتخاذ قرارات عسكرية متسرعة. ومن وجهة نظره، فإن سلوفاكيا، بحكم قربها من أوكرانيا وعضويتها في الناتو، يمكن أن تجد نفسها في موقع حساس للغاية إذا انتقلت الحرب إلى أراضي إحدى دول الحلف.
لكن في المقابل، ترى حكومات أوروبية أخرى أن عدم الرد على الهجمات أو الأنشطة الهجينة يمكن أن يشجع على تكرارها. ولهذا تدفع دول مثل بولندا وفرنسا وألمانيا باتجاه زيادة قدرات المراقبة والدفاع الجوي والأمن السيبراني وحماية البنية التحتية، إلى جانب استمرار دعم أوكرانيا.
ويأتي كل ذلك في وقت تدخل فيه الحرب الروسية الأوكرانية عامها الخامس، بينما لا تزال التسوية السياسية الشاملة بعيدة المنال. ويستمر القتال والهجمات الجوية والصاروخية والطائرات المسيرة بين الجانبين، في وقت تحاول فيه الدول الغربية الحفاظ على دعمها لكييف مع تجنب تحول الصراع إلى مواجهة مباشرة بين روسيا والناتو.
كما شهدت الأيام الأخيرة تصعيداً عسكرياً جديداً. ففي 20 سبتمبر، شنت أوكرانيا هجوماً واسعاً بالطائرات المسيرة على موسكو ومناطق روسية أخرى، بالتزامن مع اليوم الأخير من الانتخابات البرلمانية الروسية. وقالت السلطات الروسية إنها اعترضت أعداداً كبيرة من الطائرات المسيرة، بينما أفادت تقارير بوقوع قتلى وأضرار في موسكو، من بينها أضرار لحقت بمنشأة لتكرير النفط. وتؤكد التطورات أن الحرب لا تزال تشهد انتقالاً متزايداً إلى العمق الجغرافي للطرفين، مع الاعتماد المتنامي على الطائرات المسيرة والأسلحة بعيدة المدى.
ويزيد هذا التطور من أهمية النقاش الأوروبي حول مخاطر امتداد الحرب. فكلما توسع نطاق استخدام الأسلحة بعيدة المدى والطائرات المسيرة، زادت احتمالات وقوع حوادث أو سقوط حطام أو عبور أسلحة إلى أراضي دول مجاورة. وفي بيئة سياسية شديدة التوتر، يمكن لحادث واحد أن يؤدي إلى اتهامات متبادلة وضغوط سياسية لاتخاذ إجراءات انتقامية.
وفي الوقت نفسه، فإن وصف كل هذه التطورات بأنها مقدمة مؤكدة لحرب بين روسيا والناتو سيكون سابقاً لأوانه. فلا توجد في التصريحات المتاحة التي أطلقها فيتسو أدلة مستقلة تثبت وجود خطة غربية منظمة لإشعال حرب مباشرة مع روسيا. كما أن التحذيرات الصادرة عن ماكرون وتوسك بشأن الهجمات الهجينة الروسية تستند إلى تقييمات حكومية واستخباراتية، وبعضها يتعلق بحوادث لا تزال تفاصيلها محل تحقيق أو خلاف سياسي.
وبذلك، تبرز أمام أوروبا معادلة أمنية معقدة: دعم أوكرانيا من دون السماح بانزلاق الحرب إلى مواجهة مباشرة بين القوى النووية، وحماية أراضي دول الناتو من الهجمات أو التهديدات المحتملة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على قنوات سياسية يمكن استخدامها لتقليل مخاطر التصعيد.
وتشير تصريحات فيتسو الأخيرة إلى أن الخلاف داخل أوروبا لم يعد يقتصر على حجم المساعدات العسكرية التي ينبغي تقديمها لأوكرانيا، بل أصبح يتعلق أيضاً بحدود المخاطرة المقبولة في التعامل مع روسيا. ففي حين يرى قادة أوروبيون أن الردع القوي والدعم المستمر لأوكرانيا ضروريان لحماية الأمن الأوروبي، يحذر فيتسو من أن التصعيد المتواصل يمكن أن يدفع القارة إلى حرب أوسع لا يريدها كثير من الأوروبيين.
وفي نهاية المطاف، ستظل قدرة الحكومات الأوروبية على إدارة هذه التناقضات عاملاً مهماً في تحديد مسار الأزمة خلال المرحلة المقبلة. فالحرب في أوكرانيا لم تعد قضية محصورة في ساحة القتال بين موسكو وكييف، بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بأمن حدود دول الاتحاد الأوروبي والناتو، وبمستقبل منظومة الأمن الأوروبية، وبالعلاقة بين روسيا والغرب.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية هو كيفية منع حادث عسكري أو هجوم بطائرة مسيرة أو عملية تخريب من التحول إلى مواجهة أوسع. وبينما يطالب فيتسو بضبط النفس ومنع جر سلوفاكيا إلى الحرب، تدعو حكومات أخرى إلى تعزيز الردع والاستعداد لمواجهة ما تصفه بتهديدات روسية متزايدة. وبين الموقفين، تبدو أوروبا أمام تحدٍ أمني وسياسي بالغ الحساسية: الحفاظ على دعم أوكرانيا وحماية دولها الأعضاء، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام الدبلوماسية وتجنب الخطوات التي قد تؤدي إلى صدام مباشر بين روسيا وحلف الناتو.
المصادر: رويترز، وكالة أسوشيتد برس، هيئة الإذاعة والتلفزيون السلوفاكية STVR، الحكومة الألمانية، وبيانات وتصريحات المسؤولين الأوروبيين المشار إليهم في التقرير.
