تصاعد التهديدات في اليمن والعراق يضع السعودية أمام خيارات صعبة ويحاصر طرق تصدير النفط تواجه المملكة العربية السعودية ضغوطاً متزايدة مع تصاعد التهديدات التي تستهدف طرق تصدير النفط والممرات البحرية الحيوية في المنطقة، في وقت تواصل فيه جماعة الحوثيين تعزيز نفوذها على الساحل اليمني وتتعرض منشآت الطاقة السعودية لهجمات بطائرات مسيرة نُسبت إلى جماعات مسلحة موالية لإيران في العراق، بينما لا تزال حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تواجه اضطرابات بسبب الصراع المتصاعد مع إيران. وبحسب تقرير لوكالة أسوشيتد برس، فإن التطورات الأخيرة تهدد المسارات البديلة التي اعتمدت عليها الرياض لتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز، خصوصاً الطرق الممتدة عبر البحر الأحمر وباب المندب، الأمر الذي يزيد المخاوف بشأن استقرار إمدادات الطاقة العالمية. وتمثل التطورات تحدياً كبيراً لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي دفع خلال السنوات الماضية باتجاه تحويل المملكة إلى مركز اقتصادي وتجاري إقليمي وتعزيز الاستقرار الإقليمي لجذب الاستثمارات وتنفيذ خطط التحول الاقتصادي. غير أن اتساع رقعة الصراع في المنطقة يضع هذه الخطط أمام مخاطر أمنية واقتصادية متزايدة. وكانت السعودية قد استفادت من خطوط أنابيب تمتد عبر أراضيها من مناطق إنتاج النفط في الشرق إلى ساحل البحر الأحمر في الغرب، بما يسمح بتصدير الخام إلى الأسواق العالمية عبر مسارات لا تعتمد بشكل مباشر على مضيق هرمز. لكن هذه الخيارات تعرضت لضغوط متزايدة بعد تجدد الهجمات الحوثية على الملاحة السعودية في البحر الأحمر، إلى جانب إغلاق خط أنابيب رئيسي بعد هجمات بطائرات مسيرة انطلقت، وفق ما نقلته السلطات السعودية، من الأراضي العراقية. كما شهدت محافظة الحديدة ومناطق ساحلية يمنية أخرى تطورات ميدانية عززت قدرة الحوثيين على تهديد حركة السفن في منطقة باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. وأدت الهجمات الحوثية خلال الأشهر الماضية إلى انخفاض كبير في صادرات النفط السعودية المتجهة إلى آسيا، وفق بيانات شركة Kpler المتخصصة في تتبع حركة التجارة العالمية، حيث تراجعت الصادرات من نحو 3.4 ملايين برميل يومياً في يونيو إلى نحو 128 ألف برميل يومياً في أغسطس قبل أن ترتفع جزئياً خلال سبتمبر. وتجد الرياض نفسها أمام خيارات محدودة، إذ إن العودة إلى تدخل عسكري واسع ضد الحوثيين قد تؤدي إلى تصعيد جديد واستهداف مزيد من البنية التحتية للطاقة، في حين أن المسار الدبلوماسي مع الحوثيين أو طهران يحمل بدوره تحديات سياسية وأمنية. وكانت السعودية قد خاضت حرباً طويلة ضد الحوثيين منذ عام 2015، قبل أن يؤدي وقف إطلاق النار في عام 2022 إلى خفض مستوى المواجهات المباشرة. وتسعى الرياض منذ ذلك الحين إلى الابتعاد عن الحرب اليمنية والتركيز على التنمية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي، إلا أن المكاسب العسكرية الأخيرة للحوثيين أعادت الملف اليمني إلى صدارة الحسابات الأمنية السعودية. وفي الوقت نفسه، تواجه المملكة حالة من عدم اليقين بشأن مستوى الدعم الأمريكي الذي يمكن أن تحصل عليه لحماية منشآتها النفطية وطرق الملاحة. فقد أصبحت القوات الأمريكية منتشرة بكثافة في منطقة مضيق هرمز على خلفية المواجهة مع إيران، بينما أدت العمليات العسكرية المستمرة إلى زيادة الضغط على القدرات الدفاعية الأمريكية، ولا سيما مخزونات صواريخ الاعتراض المتطورة. ويرى مسؤولون وخبراء أن قدرة السعودية على حماية طرق صادراتها وتحقيق أهدافها الأمنية ستتأثر بدرجة كبيرة بموقف واشنطن، في وقت تبدو فيه الإدارة الأمريكية مترددة بشأن فتح جبهة عسكرية جديدة في اليمن. وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن إيران ربما تقف وراء الهجوم على خط الأنابيب السعودي، لكنه لم يعلن عن خطة واضحة لتدخل أمريكي جديد ضد الحوثيين. وفي ظل استمرار التوتر حول مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب، تواجه السعودية معادلة أمنية معقدة تجمع بين حماية صادرات الطاقة، والحفاظ على حرية الملاحة، وتجنب الانجرار إلى حرب إقليمية أوسع قد تؤثر في الاقتصاد العالمي وأسواق النفط، في وقت أصبحت فيه استمرارية طرق التصدير البديلة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
