تسعى الحكومة الأسترالية إلى تعزيز التعاون مع شركات التكنولوجيا العالمية الكبرى، في إطار جهودها لتشديد قوانين السلامة على الإنترنت ووضع قواعد جديدة لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، وسط تزايد المخاوف بشأن حماية الأطفال والمستخدمين من المخاطر المرتبطة بالمنصات الرقمية والتقنيات الحديثة.
وقال رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي إن بلاده لا تستطيع مواجهة المخاطر الناجمة عن البيئة الرقمية بمفردها، مؤكداً أن شركات التكنولوجيا الكبرى تتحمل أيضاً مسؤولية في حماية الأطفال من الأضرار المحتملة على الإنترنت.
وجاءت تصريحات ألبانيزي عقب اجتماعه مع الرئيس التنفيذي لشركة أبل تيم كوك في مقر الشركة بمدينة كوبرتينو في ولاية كاليفورنيا الأميركية يوم السبت، حيث ناقش الجانبان حماية الأطفال على الإنترنت والإجراءات التي تتخذها أستراليا لتعزيز السلامة الرقمية.
وكتب ألبانيزي في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي أنه بحث مع كوك ما تقوم به أستراليا لحماية الأطفال من الأضرار عبر الإنترنت والعمل الذي لا يزال يتعين إنجازه. وأضاف أن الحكومة الأسترالية تعمل على وضع قواعد أكثر صرامة للحفاظ على سلامة المواطنين في الفضاء الرقمي، مشيراً إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى، ومن بينها أبل، بدأت أيضاً في اتخاذ خطوات بهذا الاتجاه.
وتأتي هذه التحركات في وقت تسعى فيه كانبيرا إلى توسيع نطاق تنظيم شركات التكنولوجيا والمنصات الرقمية، بالتزامن مع إعداد معايير جديدة للذكاء الاصطناعي من المقرر أن تقدمها الحكومة الأسترالية قبل نهاية عام 2026.
وقال ألبانيزي خلال زيارته للولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة إن حكومته تعمل على ضمان أن تخدم التكنولوجيا مصالح الأستراليين، بدلاً من أن يصبح المجتمع مضطراً للتكيف مع التطورات التكنولوجية من دون وجود ضوابط كافية.
أستراليا وتشديد القيود على منصات التواصل
كانت أستراليا قد طبقت العام الماضي تشريعاً يمنع الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 16 عاماً من استخدام منصات التواصل الاجتماعي، في خطوة وُصفت بأنها من أكثر الإجراءات صرامة التي تتخذها دولة لحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت.
ويهدف القانون إلى الحد من تعرض الأطفال للتنمر الإلكتروني والمحتوى الضار وبعض المخاطر المرتبطة بالخوارزميات التي تستخدمها منصات التواصل لتحديد المحتوى الذي يظهر للمستخدمين.
لكن تطبيق القيود واجه تحديات عملية. وأظهرت بيانات نُشرت في أغسطس/آب 2026 أن بعض الأستراليين الذين تقل أعمارهم عن 16 عاماً ما زالوا يستخدمون تطبيقات ومنصات مثل إنستغرام وتيك توك رغم القيود المفروضة.
وأعاد ذلك فتح النقاش حول قدرة الحكومات وشركات التكنولوجيا على تطبيق القيود العمرية بشكل فعال في بيئة رقمية يستطيع فيها المستخدمون إنشاء حسابات متعددة واستخدام أجهزة مختلفة ومحاولة تجاوز أنظمة التحقق من العمر.
وتشير هذه التجربة إلى أن إصدار قانون يمنع فئة عمرية معينة من الوصول إلى خدمة رقمية لا يعني بالضرورة أن تطبيق الحظر سيكون أمراً سهلاً من الناحية التقنية.
مشروع قانون جديد يفرض مسؤولية أكبر على شركات التكنولوجيا
كشفت الحكومة الأسترالية في سبتمبر/أيلول عن مشروع قانون جديد يتضمن مجموعة إضافية من الالتزامات على الشركات التي تدير بعض أشهر المنصات الرقمية.
ومن بين أبرز المقترحات فرض ما يعرف بـ”واجب الرعاية” على الشركات التي تقف وراء منصات مثل فيسبوك وتيك توك وإنستغرام.
ويهدف هذا النهج إلى تحميل الشركات مسؤولية أكبر عن المخاطر التي قد تنشأ نتيجة تصميم منصاتها وطريقة تشغيلها، بدلاً من ترك المسؤولية بالكامل على المستخدمين أو أولياء الأمور.
كما يتضمن مشروع القانون المقترح منح المستخدمين قدرة أكبر على التحكم في الخوارزميات التي تحدد المحتوى الذي يظهر أمامهم.
وبموجب المقترح، يمكن للمستخدمين اختيار إيقاف أنظمة التوصية الخوارزمية، وهي الأنظمة التي تعتمد على بيانات الاستخدام وسلوك المستخدم لتحديد المنشورات ومقاطع الفيديو والمحتوى الذي يظهر في خلاصته الرقمية.
وأصبحت الخوارزميات محوراً رئيسياً في النقاش العالمي حول سلامة الإنترنت، بسبب تأثيرها الكبير في طبيعة المحتوى الذي يتعرض له المستخدمون والمدة التي يقضونها على المنصات.
ومن المتوقع أن تقدم الحكومة الأسترالية مشروع القوانين إلى البرلمان في وقت لاحق من العام، بعد إجراء مشاورات مع شركات التواصل الاجتماعي والجهات المعنية بقطاع التكنولوجيا ومنظمات المجتمع المدني.
المعارضة تثير مخاوف بشأن حرية التعبير
وفي المقابل، أعلنت المعارضة الأسترالية، ممثلة في ائتلاف الحزب الليبرالي والحزب الوطني، أنها لا تؤيد مشروع القانون بصيغته الحالية.
وقالت المعارضة في بيان صدر في 10 سبتمبر/أيلول إن المشروع يتضمن، من وجهة نظرها، ضمانات غير كافية لحماية حرية التعبير والصحافة، كما أعربت عن مخاوف بشأن منح وزير الاتصالات صلاحيات واسعة بموجب التشريع المقترح.
وتعكس هذه المواقف جانباً من النقاش الدائر في أستراليا حول كيفية تحقيق التوازن بين حماية المستخدمين من الأضرار الرقمية وبين الحفاظ على حرية التعبير والصحافة والوصول إلى المعلومات.
ومن المتوقع أن تخضع تفاصيل مشروع القانون لمزيد من النقاش والتعديلات خلال عملية التشاور والمراجعة البرلمانية.
الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة جديدة من التنظيم
إلى جانب تنظيم منصات التواصل الاجتماعي، تعمل الحكومة الأسترالية على وضع قواعد جديدة للذكاء الاصطناعي.
وتشهد تقنيات الذكاء الاصطناعي تطوراً سريعاً، وأصبحت تدخل في مجالات متعددة تشمل الخدمات الحكومية والتعليم وقطاع الأعمال والبحث العلمي والمنصات الرقمية والمنتجات الاستهلاكية.
وقد أدى هذا الانتشار إلى ظهور أسئلة جديدة تتعلق بالخصوصية وحماية البيانات والمعلومات المضللة والمساءلة واستخدام المحتوى الذي تنتجه أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وقال ألبانيزي إن أستراليا ستقدم معايير جديدة للذكاء الاصطناعي قبل نهاية العام، في إطار مساعي الحكومة لوضع قواعد واضحة للتعامل مع التكنولوجيا الجديدة.
وتواجه الحكومة في هذا المجال مهمة معقدة، إذ يشمل الذكاء الاصطناعي مجموعة واسعة من التقنيات والأنظمة، بدءاً من أدوات التحليل واتخاذ القرارات الآلية وصولاً إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي القادرة على إنتاج النصوص والصور والصوت والبرمجيات.
ومن ثم، فإن طبيعة المعايير التي ستضعها الحكومة ستكون عاملاً مهماً في تحديد كيفية استخدام هذه التقنيات في أستراليا خلال السنوات المقبلة.
أبل تبحث عن أدوات لحماية الأطفال
خلال اجتماعه مع تيم كوك، ناقش ألبانيزي أيضاً الإجراءات التي يمكن لشركات التكنولوجيا اتخاذها لحماية الأطفال.
وقال كوك إنه عرض على رئيس الوزراء الأسترالي أدوات وتحكمات جديدة تهدف إلى مساعدة الأسر والأطفال على استخدام الإنترنت بصورة أكثر أماناً.
وتوفر شركة أبل بالفعل مجموعة من أدوات الرقابة الأبوية وإعدادات الخصوصية والميزات المرتبطة بالعمر على أجهزتها وأنظمتها، ويمكن لهذه الأدوات أن تمنح الآباء قدرة أكبر على إدارة استخدام الأطفال للأجهزة والخدمات الرقمية.
لكن فعالية هذه الأدوات تعتمد أيضاً على طريقة استخدامها ومدى توافقها مع الخدمات والتطبيقات الأخرى التي يستخدمها الأطفال.
ولهذا ترى الحكومة الأسترالية أن التعاون مع شركات التكنولوجيا سيكون جزءاً مهماً من تنفيذ قوانين السلامة الرقمية.
لماذا تحتاج الحكومة إلى شركات التكنولوجيا؟
تواجه الحكومات حول العالم مشكلة متزايدة تتمثل في أن معظم الخدمات الرقمية الكبرى يتم تشغيلها بواسطة شركات عالمية تعمل عبر حدود الدول.
فالمنصات الكبرى تخدم مستخدمين في عشرات الدول، بينما توجد البنية التقنية والإدارة الرئيسية لهذه الشركات غالباً خارج حدود الدول التي تستخدم فيها خدماتها.
وهذا يجعل تنفيذ القوانين الوطنية أكثر تعقيداً.
يمكن للحكومة الأسترالية وضع قوانين تنطبق على الخدمات المقدمة إلى المواطنين داخل البلاد، لكن تطبيق هذه القوانين يتطلب في كثير من الحالات تغييرات تقنية وإدارية تقوم بها الشركات نفسها.
ويشمل ذلك أنظمة إنشاء الحسابات، والتحقق من العمر، وإدارة المحتوى، والخوارزميات، وأدوات الرقابة الأبوية، وآليات الإبلاغ عن المحتوى الضار.
ولهذا فإن التواصل المباشر بين الحكومة والشركات أصبح جزءاً من السياسة الأسترالية الجديدة تجاه التكنولوجيا.
معضلة التحقق من العمر
تُظهر تجربة حظر وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عاماً مدى صعوبة فرض القيود العمرية في البيئة الرقمية.
فالتحقق من عمر المستخدم يحتاج إلى تقنيات قادرة على تحديد ما إذا كان الشخص يستوفي الحد العمري المطلوب، مع ضرورة مراعاة حماية الخصوصية والبيانات الشخصية.
كما تواجه الشركات مشكلة الحسابات التي قد يتم إنشاؤها باستخدام معلومات غير صحيحة أو بطرق أخرى للتحايل على القيود.
واستمرار بعض القاصرين في استخدام منصات التواصل رغم القيود يوضح أن تطبيق القانون يحتاج إلى إجراءات تقنية مستمرة وتعاون بين الحكومة والشركات.
وفي الوقت نفسه، فإن هذه التجربة قد تؤثر في الطريقة التي ستصمم بها أستراليا قوانينها المقبلة المتعلقة بالسلامة الرقمية.
الخوارزميات تحت التدقيق
يمثل اقتراح السماح للمستخدمين بإيقاف خوارزميات التوصية أحد الجوانب المهمة في مشروع القانون الأسترالي الجديد.
وتستخدم منصات التواصل خوارزميات معقدة لتحليل نشاط المستخدمين واختيار المحتوى الذي يظهر لهم. ويمكن لهذه الأنظمة أن تجعل تجربة الاستخدام أكثر تخصيصاً، لكنها أثارت أيضاً نقاشاً حول مدى تأثيرها في سلوك المستخدمين والمحتوى الذي يتعرضون له.
وتحاول الحكومة الأسترالية من خلال المقترح منح المستخدمين خياراً إضافياً للتحكم في الطريقة التي يتم بها اختيار المحتوى لهم.
وفي حال تطبيق هذا الإجراء، سيكون على الشركات تحديد كيفية عمل المنصات عندما يختار المستخدم عدم الاعتماد على نظام التوصية الشخصي.
وهذه القضية لا تقتصر على أستراليا، إذ تناقش حكومات ومؤسسات تنظيمية في دول مختلفة مسألة الشفافية والتحكم في الخوارزميات التي تؤثر في تجربة المستخدمين على الإنترنت.
بين حماية الأطفال وحرية التعبير
يضع تنظيم الإنترنت الحكومات أمام معادلة صعبة تتعلق بحماية الأطفال من المخاطر الرقمية مع الحفاظ في الوقت نفسه على حرية التعبير وحرية الصحافة.
وتقول الحكومة الأسترالية إن زيادة مسؤولية شركات التكنولوجيا ضرورية للتعامل مع المخاطر التي يمكن أن تنتج عن تصميم المنصات وطريقة عملها.
وفي المقابل، تقول المعارضة إن التشريع المقترح يحتاج إلى ضمانات أقوى لحماية حرية التعبير والصحافة، كما تعترض على بعض الصلاحيات المقترحة لوزير الاتصالات.
وستكون صياغة النص النهائي للقانون وآليات تطبيقه عاملاً أساسياً في تحديد كيفية تحقيق التوازن بين هذه المصالح.
أستراليا أمام مرحلة جديدة في تنظيم التكنولوجيا
تأتي التحركات الأسترالية في وقت تعيد فيه حكومات عديدة حول العالم النظر في القواعد المنظمة لشركات التكنولوجيا الكبرى.
فخلال السنوات الماضية، تطورت منصات التواصل والذكاء الاصطناعي بسرعة أكبر من قدرة كثير من الأنظمة القانونية على مواكبة هذه التطورات.
والآن تحاول الحكومات وضع قواعد أكثر وضوحاً بشأن مسؤولية الشركات عن الخدمات الرقمية والأنظمة الآلية التي تقدمها للمستخدمين.
وتسير أستراليا في أكثر من مسار في الوقت نفسه، بما في ذلك حماية الأطفال، وتنظيم منصات التواصل الاجتماعي، وزيادة قدرة المستخدمين على التحكم في الخوارزميات، ووضع معايير للذكاء الاصطناعي.
ويشير هذا التوجه إلى انتقال النقاش من الاعتماد على الالتزامات الطوعية للشركات إلى بحث إمكانية فرض مسؤوليات قانونية أكثر وضوحاً على شركات التكنولوجيا الكبرى.
ما الخطوة التالية؟
من المتوقع أن تواصل الحكومة الأسترالية مشاوراتها مع شركات التكنولوجيا والجهات الصناعية ومنظمات المجتمع المدني قبل تقديم التشريع المقترح إلى البرلمان في وقت لاحق من عام 2026.
وفي الوقت نفسه، تعتزم الحكومة وضع معايير جديدة للذكاء الاصطناعي قبل نهاية العام.
وستحدد هذه الإجراءات كيفية تعامل أستراليا مع بعض أكثر التقنيات تأثيراً في الحياة اليومية، في وقت تتوسع فيه منصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي بسرعة في مجالات العمل والتعليم والإعلام والخدمات العامة.
ويشير لقاء ألبانيزي مع تيم كوك إلى أن الحكومة الأسترالية تعتبر التعاون مع شركات التكنولوجيا جزءاً أساسياً من جهودها لتنفيذ سياسات السلامة الرقمية.
ويبقى التحدي أمام الحكومة هو وضع قواعد قابلة للتطبيق تحمي الأطفال والمستخدمين من الأضرار الرقمية، مع الحفاظ على الخصوصية وحرية الصحافة وحرية التعبير وتشجيع الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.
ومع اقتراب أستراليا من تقديم تشريعات جديدة بشأن منصات الإنترنت ومعايير جديدة للذكاء الاصطناعي، ستخضع هذه الإجراءات لمزيد من النقاش داخل البرلمان وبين شركات التكنولوجيا والمجتمع المدني.
ومن المرجح أن يكون شكل القوانين النهائية وآليات تنفيذها هو العامل الحاسم في تحديد مدى تأثير السياسة الأسترالية الجديدة على شركات التكنولوجيا والمستخدمين، وعلى النقاش الدولي الأوسع بشأن المسؤولية عن السلامة في العصر الرقمي.
