عاد ملف الحرب في غزة إلى واجهة النقاش الدولي بعد التصريحات التي أدلى بها رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في مقابلة مع الإعلامي البريطاني بيرس مورغان. وفي المقابلة التي نُشرت في 29 سبتمبر/أيلول 2026، تحدث المسؤول القطري بصراحة عن الحرب في قطاع غزة، والوساطة بين إسرائيل وحماس، والمساعدات القطرية للفلسطينيين، ومفاوضات وقف إطلاق النار، وملف الأسرى، إضافة إلى التوترات الأوسع في الشرق الأوسط. وكان من أبرز ما قاله إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “مجرم حرب”، وإن ما جرى في غزة يتضمن جرائم حرب، مع تأكيده في الوقت نفسه أن قطر ستواصل أداء دورها الدبلوماسي والوساطة من أجل الوصول إلى حلول سياسية.
جاءت تصريحات آل ثاني في وقت لا تزال فيه الحرب في غزة تلقي بظلالها على العلاقات الدولية، بينما تتداخل الأزمة الفلسطينية مع ملفات أخرى، بينها المواجهة الإقليمية، وأمن الخليج، وإيران، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، ومستقبل الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط. وقال رئيس الوزراء القطري إن الدبلوماسية خلف الأبواب المغلقة تظل، من وجهة نظره، الوسيلة الأكثر فاعلية لتحقيق تقدم في الأزمات المعقدة، مشيرا إلى أن قطر حاولت خلال السنوات الماضية استخدام قنواتها مع مختلف الأطراف من أجل منع اتساع رقعة الحرب.
وعندما سأل بيرس مورغان رئيس الوزراء القطري بصورة مباشرة عما إذا كان يعتبر بنيامين نتنياهو مجرم حرب، جاء الرد واضحا. قال آل ثاني إن ما يحدث في غزة يمثل جرائم حرب، وإن المسؤول عن ذلك يتحمل المسؤولية. ووفقا لتغطية الجزيرة، أشار أيضا إلى استهداف المستشفيات والمدارس، وقال إن التبريرات التي تقدمها إسرائيل لا تبرر ما حدث في القطاع. وفي الوقت نفسه، أدان آل ثاني هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ووصفه بأنه مجزرة تستوجب الإدانة والمساءلة، لكنه قال إن ذلك لا يبرر ما حدث لاحقا في غزة.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية بسبب المسار القانوني الدولي المرتبط بالحرب. ففي 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، بعد أن رفضت المحكمة طعونا قدمتها إسرائيل بشأن اختصاص المحكمة. وذكرت المحكمة أن هناك أسبابا معقولة للاشتباه في مسؤولية نتنياهو عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية محددة في قرارها، من بينها استخدام التجويع كأسلوب من أساليب الحرب وتوجيه هجوم ضد السكان المدنيين. غير أن مذكرة التوقيف ليست حكما نهائيا بالإدانة، بل إجراء قضائي يتعلق بالاتهامات والأسس التي اعتمدت عليها المحكمة في إصدار المذكرة.
وتواصل إسرائيل رفض اختصاص المحكمة الجنائية الدولية والاتهامات الموجهة إلى قادتها، كما تؤكد أن عملياتها العسكرية في غزة جاءت في إطار الدفاع عن إسرائيل بعد هجوم 7 أكتوبر. وفي المقابل، تقول أطراف دولية وحقوقية إن طريقة إدارة الحرب والقيود المفروضة على السكان المدنيين تستوجب التحقيق والمساءلة. ولهذا فإن الجدل القانوني والسياسي حول غزة أصبح منفصلا جزئيا عن الخطاب السياسي اليومي، إذ توجد إلى جانب التصريحات السياسية إجراءات ومذكرات قضائية دولية ما زالت آثارها مستمرة.
قطر والوساطة بين إسرائيل وحماس
منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، لعبت قطر دورا رئيسيا في الاتصالات غير المباشرة بين إسرائيل وحماس، بالتنسيق مع الولايات المتحدة ومصر في مراحل مختلفة. وكانت الدوحة إحدى القنوات التي استخدمت في مفاوضات إطلاق سراح الأسرى، وإدخال المساعدات الإنسانية، والتوصل إلى ترتيبات لوقف القتال. ويقول آل ثاني إن مهمة الوساطة لم تكن سهلة، وإن الجهود القطرية تعرضت مرارا لعراقيل سياسية وعسكرية.
وفي المقابلة، اتهم رئيس الوزراء القطري الحكومة الإسرائيلية بتقويض جهود الوساطة منذ بداية الحرب. ووفقا لما نقلته الجزيرة، قال إن قطر حاولت دفع الأطراف نحو حلول دبلوماسية، لكن جهودها واجهت عراقيل متكررة. كما شدد على أن الدبلوماسية الهادئة والاتصالات السرية تسمح للوسطاء بمساحة أكبر للمناورة، بينما تؤدي التصريحات العلنية الحادة إلى تضييق مساحة التفاوض.
وتطرح هذه النقطة سؤالا أوسع حول طبيعة دور الدول الوسيطة في الحروب. فالدولة التي تستضيف قنوات اتصال مع طرف من أطراف الصراع تحتاج في الوقت نفسه إلى الحفاظ على علاقتها بالأطراف الأخرى، حتى تتمكن من نقل الرسائل والمقترحات. ولذلك فإن انتقال قطر من دور الوسيط الهادئ إلى انتقاد سياسات إسرائيل بصورة أكثر علنية يعكس، على الأقل، ارتفاع مستوى التوتر بين الدوحة والحكومة الإسرائيلية.
المساعدات القطرية لغزة والجدل حول تمويل حماس
ومن الملفات التي تناولها آل ثاني خلال المقابلة مسألة الأموال القطرية التي وصلت إلى قطاع غزة على مدار سنوات. فقد واجهت الدوحة اتهامات من خصومها بأن الأموال التي دخلت القطاع ساعدت حماس على تعزيز قدراتها العسكرية. ويرفض المسؤولون القطريون هذا الاتهام، ويقولون إن المساعدات كانت موجهة إلى الاحتياجات المدنية، بما في ذلك الكهرباء والأسر الفقيرة والرواتب وبعض مشاريع إعادة الإعمار.
وتعود جذور هذا الملف إلى مرحلة ما بعد حرب 2014، عندما بدأت قطر في تمويل مشاريع لإعادة بناء أجزاء من البنية التحتية التي تضررت خلال الحرب. ومع مرور الوقت، أصبحت المساعدات القطرية جزءا من ترتيبات أكثر تعقيدا تتعلق بالوضع الاقتصادي والإنساني في غزة.
وبحسب رواية آل ثاني في المقابلة، فإن الأموال القطرية كانت تمر عبر آليات جرى التنسيق بشأنها مع أطراف دولية وإسرائيلية، وأن الهدف المعلن كان مساعدة السكان المدنيين والحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات الأساسية. كما رفض الادعاء بأن التمويل القطري كان موجها إلى الجناح العسكري لحماس.
ويظل هذا الملف من أكثر الملفات إثارة للجدل في تاريخ العلاقة بين قطر وغزة. فمنتقدو السياسة القطرية يقولون إن ضخ الأموال في القطاع ساعد بصورة غير مباشرة على استمرار حكم حماس، بينما تؤكد الدوحة أن المساعدات الإنسانية لا تعني تمويل النشاط العسكري. وبين الموقفين توجد مسألة عملية معقدة: كيف يمكن إيصال المساعدات إلى سكان يعيشون تحت الحصار من دون أن تستفيد منها الجهات المسلحة الموجودة داخل المنطقة؟
ولهذا فإن تقييم مسار المساعدات يحتاج إلى النظر في آليات تحويل الأموال والجهات المستفيدة والرقابة التي رافقتها، وليس فقط في الجهة التي قدمت التمويل.
الحصار والواقع الإنساني
ربط آل ثاني خلال حديثه بين الحرب الحالية والأوضاع التي عاشها قطاع غزة خلال سنوات طويلة قبل 7 أكتوبر 2023. وقال إن التركيز على يوم الهجوم وحده يؤدي إلى تجاهل تاريخ أطول من الحروب والحصار والأزمات الاقتصادية والإنسانية.
وفي المقابل، ترى إسرائيل أن هجوم 7 أكتوبر شكل نقطة تحول أساسية، وأن العمليات العسكرية التي تلته كانت مرتبطة بإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين وتفكيك القدرات العسكرية لحماس ومنع تكرار الهجوم. ومنذ بداية الحرب، ظلت هذه الرواية في قلب الخطاب الإسرائيلي الرسمي.
وبين الروايتين، ظهرت أزمة إنسانية واسعة في غزة، وأصبحت قضايا الغذاء والمياه والطاقة والرعاية الصحية والمأوى من أبرز الملفات التي تواجه المجتمع الدولي. كما تحولت المساعدات الإنسانية إلى جزء أساسي من المفاوضات السياسية، إذ أصبحت إمكانية إدخال المساعدات مرتبطة في مراحل مختلفة بالهدن وترتيبات وقف إطلاق النار.
الوساطة والهجوم على الدوحة
من أكثر النقاط حساسية في مقابلة رئيس الوزراء القطري حديثه عن الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف الدوحة في العام السابق. وقال آل ثاني إن الهجوم وقع في وقت كانت فيه قطر تؤدي دور الوسيط وتحاول دفع مقترح أمريكي إلى الأمام، واعتبر استهداف دولة تقوم بالوساطة أمرا غير مقبول وسابقة خطيرة.
وقد أضاف هذا الهجوم بعدا جديدا إلى علاقة قطر بإسرائيل. فالدوحة كانت تستضيف اتصالات مرتبطة بالمفاوضات، بينما نفذت إسرائيل ضربة استهدفت قيادات من حماس في العاصمة القطرية. ومن وجهة نظر قطر، فإن استهداف أراضيها أثناء قيامها بجهود الوساطة يطرح سؤالا حول مدى قدرة الوسطاء على العمل بأمان في الحروب الحديثة.
وتقول الدوحة إن الوسيط يحتاج إلى ضمانات تحمي قنوات الاتصال حتى يتمكن من نقل المقترحات بين الأطراف. أما استمرار العمليات العسكرية في دول تستضيف المفاوضات فيمكن أن يجعل الوساطة نفسها أكثر صعوبة.
الأسرى ووقف إطلاق النار
كان ملف الأسرى حاضرا بقوة في مقابلة بيرس مورغان. وتحدث آل ثاني عن المفاوضات التي جرت بشأن إطلاق سراح الأسرى ووقف إطلاق النار، مؤكدا أهمية التعامل مع هذا الملف من خلال قنوات تفاوضية.
وترددت خلال الحرب روايات متعددة حول العروض التي قدمتها حماس وإسرائيل والوسطاء في مراحل مختلفة. كما اختلفت الأطراف في تفسير أسباب تعثر بعض المقترحات. ولذلك فإن أي ادعاء يتعلق بعرض محدد قدم في يوم معين يحتاج إلى مقارنته بالوثائق والتصريحات الصادرة في ذلك الوقت من الأطراف المعنية.
وتكمن صعوبة ملف الأسرى في أنه يجمع بين اعتبارات إنسانية وسياسية وأمنية. فإسرائيل تعتبر إطلاق سراح الأسرى أولوية، بينما تربط حماس بعض عمليات الإفراج بوقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي وترتيبات سياسية وإنسانية أخرى. أما الوسطاء، وفي مقدمتهم قطر ومصر والولايات المتحدة، فيحاولون إيجاد صيغة تسمح بتحقيق تقدم في الملفات المتشابكة في وقت واحد.
من غزة إلى إيران ومضيق هرمز
لم تتوقف المقابلة عند حرب غزة. فقد تحدث رئيس الوزراء القطري أيضا عن إيران والتوتر الإقليمي ومضيق هرمز. وقال إن هناك ثلاثة ملفات رئيسية تحتاج إلى معالجة من أجل تخفيف التصعيد: التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي الإيراني، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز وفقا للقانون الدولي، وإعادة النظر في الترتيبات الأمنية في المنطقة بما يشمل دول مجلس التعاون الخليجي وإيران.
ويرى آل ثاني أن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يستقر بصورة دائمة من دون حوار مباشر بين إيران ودول الخليج. كما دعا إلى وضع مبادئ للعلاقات تقوم على حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وعدم الاعتداء المتبادل.
وتأتي هذه التصريحات في ظل اضطرابات إقليمية أثرت على حركة الطاقة والتجارة. ويعد مضيق هرمز ممرا أساسيا للتجارة العالمية في النفط والغاز، وأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة عبره يمكن أن تكون له آثار تتجاوز حدود الخليج.
كما أشار آل ثاني إلى أن قطر حاولت استخدام علاقاتها مع الولايات المتحدة وإيران للمساعدة في إيجاد قنوات دبلوماسية. وقال إن بلاده تسعى إلى تقديم المشورة للجانب الأمريكي وكذلك للإيرانيين، مع التأكيد على أن الاتصالات مع طهران تمر عبر القنوات الرسمية.
العلاقة مع إيران
وفيما يتعلق بالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، أوضح رئيس الوزراء القطري أن المسؤولين القطريين لا يملكون اتصالا مباشرا به، وأن التواصل يتم من خلال الرئيس الإيراني ووزير الخارجية والمجلس الأعلى للأمن القومي. وقال إن ما يصل إلى الجانب القطري من هذه القنوات يتم، بحسب ما أُبلغ به، بعد مراجعة من المرشد الأعلى.
وتكشف هذه النقطة عن طبيعة الدور الذي تحاول قطر القيام به في المنطقة. فالدوحة تحتفظ بعلاقات مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه لديها قنوات اتصال مع إيران، كما أنها لعبت دورا في الوساطة بين واشنطن وطهران في مراحل مختلفة من التوتر الإقليمي.
وهذا الوضع يمنح قطر قدرة على نقل الرسائل بين أطراف لا تتحدث دائما بصورة مباشرة، لكنه يضعها أيضا أمام ضغوط سياسية متزايدة من مختلف الأطراف.
التداعيات الاقتصادية على قطر
أشار آل ثاني كذلك إلى التأثير الاقتصادي للتوترات الإقليمية على قطر، وخاصة في قطاع الطاقة. وتعد قطر من أبرز مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم، ولذلك فإن أي اضطراب في الملاحة أو البنية التحتية للطاقة يمكن أن تكون له آثار مباشرة على صادراتها وعلى الأسواق العالمية.
وفي تقرير نشرته رويترز في 30 سبتمبر/أيلول 2026، جرى تناول الضغوط التي تواجهها دول الخليج نتيجة الاضطرابات الإقليمية، بما في ذلك تأثير تعطّل صادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية على الاقتصاد والطاقة. كما تناول التقرير تحركات دول الخليج لإعادة التفكير في ترتيباتها الأمنية وسط تغيرات إقليمية واسعة.
وتظهر هذه التطورات أن الحرب لم تعد قضية عسكرية محصورة في غزة. فالطاقة والتجارة والملاحة والاستثمار والأمن الغذائي كلها أصبحت مرتبطة بمستوى التوتر في المنطقة.
نتنياهو والضغط الدولي
في الجانب الإسرائيلي، يواصل نتنياهو رفض الاتهامات الدولية المتعلقة بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب. وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2026، دافع عن سياسة إسرائيل في غزة ورفض الاتهامات الموجهة إليها. وشهد الخطاب احتجاجا من عدد من الوفود التي غادرت القاعة أثناء كلمته، وفقا لتقارير دولية.
ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه نتنياهو أيضا مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية. وفي الوقت نفسه، تواصل إسرائيل الطعن في اختصاص المحكمة ورفض الاتهامات الموجهة إلى رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق.
وبذلك أصبحت صورة الحرب في غزة موزعة بين ثلاثة مسارات متداخلة: المسار العسكري على الأرض، والمسار الدبلوماسي الذي تشارك فيه دول مثل قطر ومصر والولايات المتحدة، والمسار القانوني الدولي الذي تتحرك فيه المحكمة الجنائية الدولية وغيرها من المؤسسات.
قطر أمام اختبار دبلوماسي جديد
تصريحات آل ثاني أمام بيرس مورغان تعكس مرحلة أكثر علنية في السياسة القطرية تجاه الحرب. فقد ظلت الدوحة لسنوات تعتمد على الدبلوماسية الهادئة والاتصالات غير المباشرة، لكنها أصبحت الآن أكثر صراحة في انتقاد الحكومة الإسرائيلية، مع استمرارها في الوقت نفسه في التأكيد على أن الوساطة ستتواصل.
وقال رئيس الوزراء القطري إن بلاده لن تتخلى عن دورها كوسيط رغم صعوبة الظروف. وهذا يعني أن قطر تريد الاحتفاظ بقنوات الاتصال مع مختلف الأطراف حتى في الوقت الذي تتصاعد فيه الخلافات السياسية.
لكن هذا الدور لن يكون سهلا. فكلما أصبحت مواقف الوسيط أكثر علنية، قد تصبح مهمته في إقناع الأطراف المختلفة أكثر تعقيدا. وفي المقابل، فإن الصمت الكامل أمام الأحداث الكبرى قد يضعف صورته السياسية أمام الرأي العام.
لهذا تحاول قطر، بحسب تصريحات رئيس وزرائها، الجمع بين موقف سياسي واضح والدور الدبلوماسي العملي.
إلى أين تتجه الأزمة؟
تظل الأسئلة الأساسية حول مستقبل غزة دون إجابات نهائية. فوقف إطلاق النار وحده لا يحسم قضايا الإدارة والأمن وإعادة الإعمار، كما أن إطلاق سراح الأسرى لا يحل تلقائيا النزاع السياسي بين إسرائيل والفلسطينيين.
ومن الملفات التي ستحتاج إلى معالجة مستقبل إدارة قطاع غزة، وإعادة الإعمار، وفتح المعابر، وضمان دخول المساعدات، وترتيبات الأمن، ومستقبل الفصائل المسلحة، إلى جانب المسار السياسي الأوسع المتعلق بالقضية الفلسطينية.
وفي الوقت نفسه، فإن توسع الأزمة إلى ملفات إيران ومضيق هرمز وأمن الخليج يجعل أي تسوية في غزة مرتبطة بصورة أكبر بالوضع الإقليمي العام.
من هنا تأتي أهمية تصريحات رئيس الوزراء القطري. فهي لا تقدم وحدها حلا للحرب، لكنها تكشف كيف تنظر إحدى الدول الرئيسية المشاركة في الوساطة إلى مسار الأزمة، وإلى أسباب تعثر المفاوضات، وإلى العلاقة بين الحرب في غزة والصراع الإقليمي الأوسع.
لقد أصبح واضحا أن الدبلوماسية في الشرق الأوسط تعمل وسط مساحة ضيقة بين الحرب والتفاوض. وفي هذه المساحة تحاول قطر الحفاظ على قنوات اتصال مع أطراف متعارضة، بينما تواجه في الوقت نفسه انتقادات من إسرائيل وخصوم حماس وأطراف أخرى.
أما المحكمة الجنائية الدولية، فقد أضافت بعدا قانونيا إلى الصراع من خلال مذكرات التوقيف التي أصدرتها في نوفمبر/تشرين الثاني 2024. ومع استمرار إسرائيل في رفض اختصاص المحكمة، واستمرار الإجراءات القانونية، يبقى الملف القضائي مفتوحا على تطورات جديدة.
وفي النهاية، فإن مقابلة آل ثاني مع بيرس مورغان تعكس تحولا في طريقة عرض قطر لدورها في الأزمة. فبعد سنوات من العمل خلف الكواليس، أصبحت الدوحة تتحدث بصورة أكثر وضوحا عن الحرب، وعن الوساطة، وعن مسؤولية الأطراف، وعن المخاطر التي تهدد أمن المنطقة.
ويبقى نجاح أي مسار دبلوماسي مرتبطا بقدرة الأطراف على تحويل التصريحات إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ. فوقف القتال يحتاج إلى ترتيبات واضحة، وإطلاق سراح الأسرى يحتاج إلى ضمانات، والمساعدات تحتاج إلى ممرات آمنة، وإعادة إعمار غزة تحتاج إلى تمويل واستقرار، بينما يحتاج الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في نهاية المطاف إلى معالجة سياسية تتجاوز مجرد إدارة الحرب من جولة إلى أخرى.
وبالنسبة لقطر، فإن التحدي يتمثل في الحفاظ على دور الوسيط في وقت أصبحت فيه مواقفها السياسية أكثر وضوحا. وبالنسبة للمنطقة، فإن التحدي الأكبر هو منع تحول الحرب في غزة إلى صراع إقليمي دائم يمتد إلى إيران والخليج والطاقة والملاحة الدولية.
ولهذا فإن ما قاله رئيس الوزراء القطري أمام بيرس مورغان لا ينبغي قراءته فقط باعتباره تصريحا سياسيا ضد نتنياهو، بل باعتباره عرضا للرؤية القطرية تجاه مجموعة واسعة من الملفات المترابطة: غزة، وإسرائيل، وحماس، والأسرى، والوساطة، وإيران، ومضيق هرمز، وأمن الخليج. وفي ظل استمرار الخلاف بين الروايات المختلفة حول الحرب، ستظل الوثائق الدولية، والتصريحات الرسمية، ونتائج التحقيقات القضائية، والتطورات على الأرض عوامل أساسية لفهم حقيقة ما جرى وما يمكن أن يحدث في المرحلة المقبلة.
