تشبه حياة الإنسان بحرًا واسعًا مضطربًا، تتلاطم فيه أحيا أمواج الشهوات، وتهب فيه عواصف الغضب، وتجري فيه تيارات الطمع والحرص، ويحاول الشيطان من خلال وساوسه أن يصرف الإنسان عن طريق الحق. وليس من السهل دائمًا على الإنسان أن يحافظ على إيمانه وأعماله وأخلاقه وصفاء قلبه وسط هذه الفتن والمؤثرات.
وكما يحتاج المسافر في طريق طويل مجهول إلى دليل خبير يساعده على معرفة الطريق، فإن المؤمن في طريق تزكية النفس وإصلاح القلب قد ينتفع بنصيحة عالم صالح أو مرشد مؤهل أو مربٍّ ديني، وبصحبته وتوجيهه. وفي المصطلح الإسلامي، يمكن أن تكون البيعة عهدًا والتزامًا بطاعة الله تعالى، وترك المعاصي، والسعي إلى تزكية النفس، والتمسك
(بسنة رسول الله (ﷺ.
مَا هِيَ الْبَيْعَةُ؟
البيعة كلمة عربية، وهي مرتبطة بجذر «ب ي ع»، ومن معانيها البيع والعقد والعهد والالتزام. وفي الاستعمال الإسلامي، تدل البيعة على عهد يلتزم فيه الإنسان بطاعة الله تعالى، والرجوع عن المعاصي، والسعي إلى إصلاح النفس، والتمسك بتوجيهات القرآن الكريم والسنة النبوية.
وليس المقصود من البيعة عبادة شخص من الأشخاص، ولا اعتقاد أن أحدًا من البشر يساوي الله تعالى أو يملك شيئًا من خصائص الألوهية. وإنما المقصود أن يلتزم الإنسان، من خلال توجيه عالم أو مربٍّ ديني مؤهل، بأن يجعل حياته خاضعة لأوامر الله تعالى، وأن يقتدي برسول الله ﷺ وسنته. فالصورة الظاهرة للبيعة قد تكون مع أحد الأشخاص، أما حقيقتها وغايتها فهي طاعة الله وتزكية النفس.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:
إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
ومعنى الآية: أن الذين يبايعون رسول الله ﷺ إنما يبايعون الله تعالى، وأن يد الله فوق أيديهم.
سورة الفتح: 10
وتذكرنا هذه الآية بأن الأصل في البيعة هو العهد على طاعة الله، وليس تعظيم الإنسان لذاته. وكان رسول الله ﷺ نبي الله ورسوله، وكانت بيعة الصحابة له جزءًا من الطاعة والالتزام بأمر الله تعالى.
بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ
الخلفية التاريخية: لماذا كانت بيعة العقبة؟
وقعت في حياة رسول الله ﷺ بيعات في أوقات مختلفة ولأغراض متعددة. وتعد بيعة العقبة من أبرز الأمثلة في التاريخ الإسلامي. ففي فترة الدعوة المكية، وفي ظل الاضطهاد والمعارضة الشديدة، عقد أهل يثرب عهودًا مع رسول الله ﷺ، وكان لهذه البيعات أثر مهم في تطور الأحداث التي سبقت الهجرة إلى المدينة.
بيعة العقبة الأولى
في السنة الثانية عشرة من البعثة، قدمت مجموعة من أهل يثرب إلى رسول الله ﷺ، فآمنوا به وبايعوه على أمور تتعلق بالتوحيد والأخلاق والاستقامة.
وتعهدوا بألا يشركوا بالله شيئًا، وألا يسرقوا، وألا يزنوا، وألا يقتلوا أولادهم، وألا يأتوا ببهتان يفترونه، وألا يعصوا رسول الله ﷺ في المعروف.
وكانت هذه البيعة عهدًا مهمًا يتعلق بالإيمان والعقيدة والأخلاق والسلوك. وبعد ذلك أرسل رسول الله ﷺ مصعب بن عمير رضي الله عنه إلى يثرب ليعلم الناس القرآن وأمور الدين.
بيعة العقبة الثانية
بعد بيعة العقبة الأولى، ازداد عدد المسلمين في يثرب، ثم جاءت البيعة الثانية التي تضمنت التزامًا أعمق بنصرة رسول الله ﷺ وحمايته عند هجرته إلى يثرب.
وتعهد الأنصار بأن يسمعوا ويطيعوا في النشاط والكسل، وأن ينفقوا في سبيل الله، وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، وألا يخافوا في الله لومة لائم. كما تعهدوا بأن يمنعوا رسول الله ﷺ ويحموه إذا قدم إليهم، كما يحمون أنفسهم وأهليهم.
وكانت هذه البيعة مثالًا واضحًا على المحبة والتضحية والوفاء بالعهد.
وكان العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه حاضرًا في ذلك الموقف، وقد حذر الأنصار من مسؤولية حماية رسول الله ﷺ، وقال لهم:
يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَوْمِنَا، فَهُوَ فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ، وَإِنَّهُ قَدْ أَبَى إِلَّا الِانْحِيَازَ إِلَيْكُمْ وَاللُّحُوقَ بِكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ، وَمَانِعُوهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ، فَأَنْتُمْ وَمَا تَحَمَّلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مُسْلِمُوهُ وَخَاذِلُوهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ فَمِنَ الْآنِ فَدَعُوهُ، فَإِنَّهُ فِي عِزٍّ وَمَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَبَلَدِهِ
وخلاصة كلامه: يا معشر الخزرج، إن محمدًا ﷺ عزيز بين قومه ومحمي في بلده، فإذا كنتم قادرين على الوفاء بما عاهدتموه عليه وحمايته ممن يخالفه، فخذوه معكم، أما إذا كنتم تخشون أن تتخلوا عنه عند الشدة، فاتركوه من الآن.
فأجاب الأنصار ببيعة رسول الله ﷺ، والتزموا بنصرته وحمايته والتضحية من أجله.
ولم تكن بيعتهم مجرد كلمات، فقد ظهر أثرها بعد الهجرة عندما استقبل الأنصار المهاجرين، وشاركوهم أموالهم وبيوتهم، ونصروا رسول الله ﷺ ودافعوا عن الإسلام.
وقد أثنى الله تعالى عليهم فقال:
وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ
ومعناه: والذين استقروا في المدينة قبل المهاجرين وأحبوا من هاجر إليهم، ولم يجدوا في صدورهم حسدًا أو حاجة مما أوتي المهاجرون، وكانوا يؤثرون إخوانهم على أنفسهم ولو كانوا في حاجة.
سورة الحشر: 9
وهنا يظهر درس مهم من دروس البيعة؛ فالبيعة ليست مجرد كلمات تقال، وإنما العهد الحقيقي يظهر في حياة الإنسان وأخلاقه وسلوكه وتعامله وتضحيته.
بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ
بيعة الرضوان: عهد على الثبات ونصرة الحق
في السنة السادسة للهجرة وقعت بيعة الرضوان في الحديبية، وهي من أشهر البيعات في السيرة النبوية. خرج رسول الله ﷺ مع نحو ألف وأربعمائة من أصحابه يريدون العمرة، فمنعتهم قريش من دخول مكة.
وأرسل رسول الله ﷺ عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى مكة للتفاوض ومعرفة موقف قريش. وتأخر عثمان رضي الله عنه في العودة، وانتشرت شائعة بأنه قُتل.
وفي تلك الظروف الصعبة، بايع الصحابة رسول الله ﷺ على الثبات وعدم الفرار.
وقد ذكر الله تعالى هذه البيعة ورضي عن أصحابها فقال:
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا
ومعناه: لقد رضي الله عن المؤمنين عندما بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة، فعلم ما في قلوبهم، فأنزل عليهم السكينة، وأثابهم فتحًا قريبًا.
سورة الفتح: 18
ولهذا سميت هذه البيعة ببيعة الرضوان، لأن الله تعالى أخبر برضاه عن أهلها.
وسُئل جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: هل بايعتم رسول الله ﷺ يوم بيعة الرضوان على الموت؟
فقال:
لَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ، وَلَكِنْ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لاَ نَفِرَّ
أي: لم نبايعه على الموت، وإنما بايعناه على ألا نفر.
صحيح مسلم: 1856
ومن هذا الموقف يتضح أن قيمة البيعة لا تكمن في الألفاظ وحدها، وإنما في الوفاء بالعهد عند الشدة والاختبار.
بَيْعَةُ التَّوْبَةِ وَالْعَمَلِ
الإنسان يخطئ ويذنب، وقد تغلبه شهوته أو تشغله الدنيا عن طاعة الله تعالى، ولكن باب رحمة الله لا يغلق أمام التائبين. فإذا أدرك الإنسان خطأه وندم عليه ورجع إلى الله تعالى، كانت التوبة بداية إصلاح جديدة.
قال الله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا
أي: يا أيها الذين آمنوا، توبوا إلى الله توبة صادقة خالصة.
سورة التحريم: 8
وقد أخذ رسول الله ﷺ من أصحابه البيعة على أمور متعددة، ومن ذلك ترك المعاصي والالتزام بالطاعة. كما ذكر القرآن الكريم بيعة المؤمنات لرسول الله ﷺ فقال:
یٰۤاَیُّهَا النَّبِیُّ اِذَا جَآءَكَ الۡمُؤۡمِنٰتُ یُبَایِعۡنَكَ عَلٰۤی اَنۡ لَّا یُشۡرِكۡنَ بِاللّٰهِ شَیۡئًا وَّ لَا یَسۡرِقۡنَ وَ لَا یَزۡنِیۡنَ وَ لَا یَقۡتُلۡنَ اَوۡلَادَهُنَّ وَ لَا یَاۡتِیۡنَ بِبُهۡتَانٍ یَّفۡتَرِیۡنَهٗ بَیۡنَ اَیۡدِیۡهِنَّ وَ اَرۡجُلِهِنَّ وَ لَا یَعۡصِیۡنَكَ فِیۡ مَعۡرُوۡفٍ فَبَایِعۡهُنَّ وَ اسۡتَغۡفِرۡ لَهُنَّ اللّٰهَ ؕ اِنَّ اللّٰهَ غَفُوۡرٌ رَّحِیۡمٌ
ومعناه: يا أيها النبي، إذا جاءت المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئًا، ولا يسرقن، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ببهتان يفترينه، ولا يعصينك في معروف، فبايعهن واستغفر لهن الله، إن الله غفور رحيم.
سورة الممتحنة: 12
وجاء في الحديث:
بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا… فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
ومعناه: بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا… فمن وفى منكم بعهده فأجره على الله.
صحيح البخاري: 18، صحيح مسلم: 1709
ومن هنا فإن حقيقة التوبة ليست مجرد قول باللسان، وإنما هي تغير في القلب والسلوك. فعندما يعترف الإنسان بخطئه، ويستغفر الله، ويعزم على إصلاح حياته وفق القرآن والسنة، يمكن أن يبدأ في حياته طريق جديد من الإصلاح.
تَزْكِيَةُ النَّفْسِ وَإِصْلَاحُ الْقَلْبِ
من أهم موضوعات التربية الروحية تزكية النفس وإصلاح القلب. فكما أن الأعمال الظاهرة مهمة، فإن حالة القلب مهمة أيضًا. فالكبر والحسد والرياء والغيبة والحقد والطمع وحب النفس من الأمراض التي تضعف القلب وتؤثر في سلوك الإنسان.
وقد لا يستطيع الإنسان أن يرى جميع عيوب نفسه بنفسه. وربما ظن أن بعض أهوائه أعمال صالحة بسبب خداع النفس. ولهذا قد يحتاج الإنسان إلى نصيحة عالم صالح أو شيخ مؤهل يساعده على معرفة أخطائه وتربية نفسه.
ولكن ينبغي أن يكون الأمر واضحًا: المرشد الحقيقي يدل الإنسان على الله تعالى ولا يدعو إلى تعظيم نفسه، ويدله على الشريعة ولا يبعده عنها، ويرشده إلى سنة رسول الله ﷺ ولا يجعل رأيه الشخصي فوق النصوص الشرعية.
فالهدف من البيعة في مجال تزكية النفس هو إصلاح النفس، وتنقية القلب، وتعويد الإنسان على طاعة الله تعالى.
مَا حَاجَةُ الإِنْسَانِ إِلَى الْبَيْعَةِ؟
قد يجد الإنسان صعوبة في اكتشاف أخطائه عندما يسير وحده. وقد تساعده صحبة عالم صالح أو مربٍّ مؤهل على مراجعة نفسه وتصحيح سلوكه. وفي هذا السياق يمكن أن تكون البيعة عند بعض الناس عهدًا أخلاقيًا وروحيًا يساعدهم على الاستمرار في طريق الإصلاح.
ومن خلال هذا العهد يلتزم الإنسان بأن يجاهد نفسه لترك المعاصي، ويحافظ على الصلاة والعبادة، ويؤدي حقوق الناس، ويبتعد عن الكذب والخيانة والحسد والكبر، ويسعى إلى اتباع سنة رسول الله ﷺ.
كما أن الالتزام بالتوبة والاستمرار عليها قد يزيد شعور الإنسان بالمسؤولية. فالإنسان ضعيف وقد يتوب ثم يعود إلى الخطأ، ولكن طريق المؤمن هو أن يعود إلى الله كلما أخطأ، وأن يجدد توبته، وأن يستمر في إصلاح نفسه.
مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ
البيعة والقيادة الدينية والاجتماعية
ورد في الحديث الشريف:
مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً
ومعناه: من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية.
صحيح مسلم: 1851
وقد تناول العلماء هذا الحديث في سياق الحديث عن أهمية القيادة الشرعية، ووحدة الجماعة، والنظام والطاعة في المجتمع المسلم. ولذلك لا ينبغي حصر هذا الحديث في البيعة الشخصية للشيخ أو المرشد وحدها، بل ينبغي فهمه في سياقه الأوسع وما يتعلق بالقيادة والطاعة والجماعة.
والأصل في الطاعة في الإسلام هو طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ. فإذا أمر أحد من البشر بما يخالف أمر الله تعالى، فلا تجوز طاعته في ذلك.
قال رسول الله ﷺ:
لاَ طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ
أي: لا طاعة في معصية الله، وإنما الطاعة في المعروف.
صحيح البخاري: 7145، صحيح مسلم: 1840
وهذا أصل مهم في موضوع البيعة أيضًا؛ فلا يجوز أن تكون طاعة الشيخ أو المرشد أو القائد فوق طاعة الله تعالى، ولا يجوز أن تكون البيعة سببًا في مخالفة القرآن والسنة.
شُرُوطُ الْبَيْعَةِ وَآدَابُهَا
توجد في زماننا تصورات مختلفة حول البيعة والشيخ والمريد. ولذلك ينبغي لمن يريد الدخول في هذا الطريق أن ينظر بعناية إلى الشخص الذي يريد أن يبايعه: هل يتبع القرآن والسنة؟ هل يلتزم بأحكام الشريعة؟ هل عقيدته وعمله صحيحان؟ وهل يدعو الناس إلى الله تعالى ورسوله ﷺ؟
ولا يجوز أن تكون البيعة سببًا في طاعة عمياء لشخص يؤدي إلى مخالفة أحكام القرآن والسنة. فإذا أمر شيخ أو مرشد بشيء يخالف الشريعة، فلا يجوز اتباعه في ذلك.
والمرشد الصالح هو الذي يوقظ قلب الإنسان بذكر الله، ويشجعه على الصلاة والعبادة، ويعلمه أداء حقوق الناس، ويحذره من الكبر والحسد والرياء، ويدعوه إلى محبة رسول الله ﷺ واتباع سنته.
الْبَيْعَةُ عَهْدٌ مَعَ اللَّهِ
قد تكون الصورة الظاهرة للبيعة وضع اليد في يد عالم أو شيخ أو مرشد ديني، ولكن حقيقتها الباطنة هي الرجوع إلى الله تعالى. فملامسة اليد قد تكون في لحظة، أما مسؤولية العهد فتمتد إلى حياة الإنسان كلها.
ومعنى هذا العهد في جوهره: يا رب، أريد أن أرجع عن طاعة نفسي في المعصية، وأريد أن أترك طريق الذنوب وأسلك طريق رضاك. أريد أن أتخلص من الكبر، وأن أؤدي حقوق الناس، وأن أحب سنة حبيبك محمد ﷺ، وأن أزكي قلبي بالذكر والتوبة والإخلاص والمحبة.
فالبيعة التي تقود الإنسان إلى الله، وتدفعه إلى الصلاة والتوبة والذكر والصدق والأمانة والتواضع وحسن الخلق، تظهر قيمتها الحقيقية في آثارها على حياة الإنسان.
أما البيعة التي تبعد الإنسان عن الشريعة، أو تعلمه عبادة الأشخاص وتعظيمهم تعظيمًا غير مشروع، أو تجعل أحدًا من البشر فوق أحكام الله تعالى، فلا تنسجم مع أصول الإسلام.
الْخَاتِمَةُ
البيعة ليست دينًا جديدًا، وليست نظامًا مستقلًا خارج القرآن والسنة. والمقصود منها في أصلها أن يسعى الإنسان إلى الخروج من عبودية النفس والهوى، والرجوع إلى عبادة الله وطاعته.
فإذا تاب المؤمن من ذنوبه، وسعى إلى إصلاح أخطائه، واستفاد من نصيحة عالم أو مرشد مؤهل، وعزم على بناء حياته وفق القرآن والسنة، فقد يكون ذلك سببًا في زيادة وعيه بنفسه واستقامته في طريق تزكية النفس.
إن جمال البيعة الحقيقي ليس في اليد، وإنما في القلب، وليس في الكلام، وإنما في العمل، وليس في الانتساب، وإنما في الأخلاق.
والمريد الصادق هو الذي يزداد في قلبه خوف الله ومحبته، وتظهر في حياته آثار سنة رسول الله ﷺ، ويرحم الناس، ويبتعد عن الظلم، ويجاهد نفسه، ويجعل رضا الله تعالى غايته العليا في حياته.
نسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا، ويغفر ذنوبنا، ويحفظنا من كبر النفس وغرورها، ويثبتنا على القرآن والسنة، ويرزقنا المحبة الصادقة لرسول الله ﷺ، ويهب لنا حياة تنتهي برضاه وجنته.
اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا، وَاغْفِرْ ذُنُوبَنَا، وَأَصْلِحْ أَحْوَالَنَا، وَثَبِّتْنَا عَلَى الْحَقِّ، وَارْزُقْنَا مَحَبَّةَ نَبِيِّكَ الْكَرِيمِ ﷺ
آمين يا رب العالمين.
