نيويورك ــ ألقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خطاباً أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، عرض خلاله بصورة واضحة المواقف الأساسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بشأن الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، والبرنامج النووي الإيراني، والقدرات الصاروخية، وأمن المنطقة، ومستقبل مضيق هرمز. وجاء خطاب بزشكيان في وقت تشهد فيه المنطقة توتراً عسكرياً وسياسياً متصاعداً، وبعد أشهر من اندلاع الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وهي الحرب التي تحولت إلى أزمة إقليمية واسعة وأثرت بصورة مباشرة في أمن الملاحة والطاقة والاقتصاد في الشرق الأوسط.
وقال بزشكيان أمام قادة ومسؤولي الدول المشاركين في اجتماعات الجمعية العامة إن إيران لن تقبل الخضوع للضغوط، مؤكداً أن بلاده لن تتنازل عن قضايا يعتبرها أساسية لأمنها وسيادتها، وفي مقدمتها برنامجها النووي وقدراتها الدفاعية الصاروخية وموقفها من مضيق هرمز. وركز الرئيس الإيراني في حديثه على أن طهران ترى أن أمنها لا يمكن فصله عن أمن المنطقة، وأن استمرار الضغط العسكري والسياسي عليها ستكون له تداعيات تتجاوز حدود إيران.
ويأتي موقف بزشكيان في ظل تصعيد حاد بين طهران وواشنطن، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطاب سابق أمام الجمعية العامة مواقف شديدة اللهجة تجاه إيران، وتحدث عن إمكانية اتخاذ خطوات أكثر قسوة ضد الجمهورية الإسلامية. كما قال ترامب إن الولايات المتحدة استهدفت مواقع نووية إيرانية، وادعى أن بلاده أصبحت تسيطر على مضيق هرمز، وهو ممر مائي استراتيجي يربط الخليج العربي بخليج عمان وبحر العرب، ويمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية.
وفي المقابل، أكد بزشكيان أن إيران لن تسمح بأن تتحول الممرات المائية المحيطة بها إلى وسيلة للضغط عليها أو استخدامها ضد مصالحها. وقال إن من غير المقبول، من وجهة نظر طهران، أن تتمتع بعض الدول بحرية استخدام الممر المائي لتحقيق مصالحها، بينما تستخدم القوى الأخرى هذا الممر نفسه لفرض ضغوط أو إجراءات عسكرية وأمنية على إيران أو لمنعها من الوصول إلى مياهها الإقليمية.
ويحمل مضيق هرمز أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، إذ يشكل أحد أهم طرق نقل النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق الدولية. ولذلك فإن أي تصعيد عسكري حول المضيق يثير مخاوف واسعة لدى الدول المستوردة للطاقة وشركات الشحن والأسواق المالية. وتربط إيران أمن المضيق بصورة مباشرة بأمنها القومي، في حين تعتبر الولايات المتحدة وحلفاؤها حرية الملاحة في الممرات الدولية مسألة أساسية بالنسبة إلى التجارة العالمية.
وجاء خطاب بزشكيان بعد يوم واحد تقريباً من محادثات أجراها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في نيويورك مع المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف. واستمرت المحادثات لساعات، وشكلت واحدة من أبرز الاتصالات الدبلوماسية المباشرة بين الطرفين منذ انهيار التفاهم السابق وتصاعد الحرب. وعلى الرغم من أهمية اللقاء من الناحية السياسية، فإن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال بعد ذلك إن المحادثات لم تحقق اختراقاً كبيراً، ما يشير إلى استمرار الخلافات الأساسية بين واشنطن وطهران.
وكانت هناك خلال الأشهر الماضية محاولات لإعادة فتح المسار الدبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة، إلا أن خططاً لإجراء مفاوضات جديدة لم تتحول إلى اتفاق شامل. ومع استمرار العمليات العسكرية والضغوط الاقتصادية، أصبح مستقبل الحرب والمسار الذي يمكن أن يقود إلى وقف القتال من أكثر القضايا تعقيداً في المنطقة.
ويواجه الرئيس بزشكيان في الوقت نفسه ضغوطاً داخلية من التيارات المحافظة والمتشددة في إيران، التي تنظر بحذر إلى أي اتصال مباشر مع إدارة ترامب. وقد انتقد عدد من النواب الإيرانيين اجتماع وزير الخارجية عباس عراقجي مع المبعوث الأميركي، وطالبوا بتوضيح الأساس السياسي والقانوني الذي تم بموجبه عقد اللقاء مع ممثل دولة تعتبرها طهران طرفاً معتدياً في الحرب.
ولا تقتصر الانتقادات على وزير الخارجية، إذ تعرض بزشكيان نفسه لانتقادات بسبب مشاركته في الاجتماعات الدبلوماسية في نيويورك. ويرى محللون أن القيادة الإيرانية تحاول في الوقت نفسه إرسال رسالتين مختلفتين إلى الداخل والخارج: الأولى تؤكد عدم استعدادها لتقديم تنازلات تعتبرها جوهرية، والثانية تترك الباب مفتوحاً أمام ترتيبات سياسية يمكن أن تسمح بإنهاء الحرب والعودة إلى نوع من التعايش الإقليمي.
وفي هذا السياق، يرى الباحثون الذين تحدثوا إلى وسائل الإعلام أن خطاب بزشكيان يمكن قراءته باعتباره محاولة لتحديد شروط إيران لأي مرحلة سياسية مقبلة. فقد شدد الرئيس الإيراني على أن أمن بلاده يجب أن يكون مضموناً، وربط ذلك بأمن الدول المجاورة. وقال إن المنطقة لا يمكن أن تتمتع باستقرار حقيقي إذا استمر استهداف إيران أو فرض التهديدات عليها.
ووفقاً لتحليلات نقلتها CNN عن خبراء في شؤون الشرق الأوسط، فإن حديث إيران عن أن الأمن الإقليمي غير قابل للتجزئة يحمل جانباً تحذيرياً، لأنه يعني أن استمرار الضغط على طهران يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف عدم الاستقرار في دول المنطقة. وفي الوقت نفسه، يرى خبراء آخرون أن هذا الخطاب يعكس إدراكاً إيرانياً لحقيقة أن البلاد ستحتاج في نهاية المطاف إلى صيغة للتعايش السلمي مع جيرانها، خصوصاً بعد أشهر من التوتر والحرب.
ويأتي هذا الطرح في وقت أصبحت فيه دول الخليج العربي أمام تحديات أمنية متزايدة. فهذه الدول ترتبط بعلاقات اقتصادية وتجارية واسعة مع الأسواق العالمية، كما تعتمد على أمن الممرات البحرية لتصدير الطاقة واستيراد السلع. ولذلك فإن استمرار التوتر حول مضيق هرمز يمثل قضية تتجاوز المواجهة الأميركية الإيرانية المباشرة، لتصبح قضية إقليمية ودولية مرتبطة بأمن الطاقة وحركة السفن والتجارة العالمية.
وفي الوقت الذي كانت فيه الدبلوماسية الإيرانية حاضرة في نيويورك، ظهرت مؤشرات جديدة على استمرار التوتر في البحر. فقد أعلن مركز الأمن البحري العماني أن سفينة تعرضت للاستهداف بالقرب من مضيق هرمز، ما أدى إلى مقتل شخص واحد. كما أصدر مركز عمليات التجارة البحرية في المملكة المتحدة تحذيراً للسفن، داعياً إلى توخي الحذر أثناء العبور في المنطقة.
ويعكس هذا التطور التناقض الواضح بين المسار الدبلوماسي الذي ظهر في نيويورك والمسار الأمني الذي يستمر في مياه المنطقة. ففي الوقت الذي يجتمع فيه المسؤولون لمناقشة وقف الحرب وإيجاد ترتيبات جديدة للأمن الإقليمي، تظل حركة السفن في بعض المناطق البحرية عرضة للمخاطر، الأمر الذي يزيد من صعوبة الوصول إلى تهدئة شاملة.
ومن القضايا الأساسية التي ركز عليها بزشكيان أيضاً البرنامج النووي الإيراني. فقد أكدت طهران مراراً أن برنامجها النووي جزء من حقوقها، بينما تصر الولايات المتحدة وإسرائيل على أن القدرات النووية الإيرانية تمثل مصدر تهديد أمني. وتبقى هذه القضية واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في العلاقات بين إيران والغرب، خصوصاً بعد تراجع المسار الدبلوماسي الذي كان يهدف إلى وضع قيود وآليات رقابة على النشاط النووي الإيراني.
وترتبط القضية النووية كذلك بالقدرات الدفاعية الإيرانية، وفي مقدمتها برنامج الصواريخ. وترى القيادة الإيرانية أن قدراتها الصاروخية عنصر أساسي في الردع والدفاع، بينما تطالب الولايات المتحدة وحلفاؤها بإدراج هذه القدرات ضمن أي ترتيبات أمنية أو تفاوضية مستقبلية. ولهذا فإن أي اتفاق جديد بين واشنطن وطهران سيواجه على الأرجح مجموعة واسعة من القضايا التي تتجاوز الملف النووي وحده.
ومن ناحية أخرى، يمثل مضيق هرمز ورقة استراتيجية مهمة في المواجهة بين الطرفين. فإيران تطل على جزء كبير من المضيق، وتملك قدرات بحرية وصاروخية يمكنها التأثير في حركة الملاحة، بينما تحافظ الولايات المتحدة على وجود عسكري كبير في المنطقة وتعلن أن هدفها حماية حرية الملاحة والسفن التجارية. ومع استمرار المواجهة، أصبحت أي حادثة بحرية في المنطقة موضع متابعة دولية واسعة.
وتشير مواقف المسؤولين الإيرانيين إلى أن طهران تريد أن يكون لأي مفاوضات مستقبلية إطار مختلف عن الجولات السابقة. وفي مقابلة بثتها وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية في توقيت قريب من خطاب بزشكيان، قال محسن رضائي، رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إن طهران ستعتمد إطاراً جديداً في أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، وإن واشنطن ستكون مطالبة باتخاذ الخطوة الأولى.
كما ربط رضائي أي محادثات مستقبلية أو إعادة فتح مضيق هرمز بتنفيذ الولايات المتحدة للمطالب الإيرانية التي تعتبرها طهران شروطاً مسبقة. ويعكس هذا الموقف تشدداً واضحاً في طريقة إدارة الملف التفاوضي، كما يمكن أن يكون موجهاً إلى الداخل الإيراني لطمأنة القوى السياسية التي تخشى من أن تؤدي الاتصالات مع واشنطن إلى تقديم تنازلات.
وتواجه القيادة الإيرانية معادلة صعبة. فمن جهة، تحتاج طهران إلى تخفيف الضغوط العسكرية والاقتصادية التي فرضتها الحرب، ومن جهة أخرى، تريد الحفاظ على قدرتها التفاوضية وعدم الظهور أمام جمهورها الداخلي وكأنها تقبل شروطاً مفروضة عليها. ولهذا يبدو أن المسار الدبلوماسي المقبل سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الطرفين على تحديد نقاط التفاهم والخلاف بصورة واضحة.
أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن إدارة ترامب تقول إن الضغط العسكري والاقتصادي يهدف إلى دفع إيران نحو تغيير سلوكها وقبول ترتيبات جديدة تتعلق بالبرنامج النووي والأمن الإقليمي. بينما ترى طهران أن أي تفاوض يجب أن يقوم على الاعتراف بسيادتها وحقوقها ووقف الإجراءات التي تعتبرها عدوانية.
وفي خطابه أمام الجمعية العامة، حاول بزشكيان أيضاً توجيه رسالة إلى الدول المجاورة لإيران. فقد قدم الأمن الإقليمي باعتباره قضية مشتركة، مؤكداً أن استمرار التوتر مع إيران ستكون له آثار على المنطقة بأكملها. وهذا الخطاب يأتي في وقت تسعى فيه دول الخليج إلى الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران.
ويضع ذلك دول المنطقة أمام تحديات دبلوماسية وأمنية معقدة. فالحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لا تجري في فراغ، بل تؤثر في حركة التجارة والطاقة والأمن البحري والعلاقات السياسية بين دول الشرق الأوسط. كما أن استمرار التصعيد يمكن أن يفتح الباب أمام حوادث جديدة يصعب احتواؤها إذا لم توجد قنوات اتصال فعالة بين الأطراف المختلفة.
وتحاول إيران من خلال خطاب بزشكيان أن تؤكد أنها ما زالت تملك أوراقاً تفاوضية، وأنها لا ترى أن الحرب وحدها قادرة على تحديد مستقبل المنطقة. وفي الوقت نفسه، فإن تصريحات المسؤولين الإيرانيين حول مضيق هرمز وشروط المفاوضات تظهر أن طهران لا تنوي العودة بسهولة إلى المفاوضات بالشروط السابقة.
وبالنسبة إلى المجتمع الدولي، فإن السؤال الأساسي في المرحلة المقبلة سيكون حول إمكانية تحويل الاتصالات الدبلوماسية التي ظهرت في نيويورك إلى مسار تفاوضي مستمر. فالمحادثات بين عراقجي وويتكوف لم تحقق، وفق التصريحات الأميركية، اختراقاً كبيراً، بينما ما زالت المواقف الإيرانية والأميركية متباعدة حول عدد من الملفات الرئيسية.
ويبقى مستقبل الحرب مرتبطاً بعدة عوامل، من بينها التطورات العسكرية، والموقف الأميركي من العقوبات والعمليات العسكرية، وموقف إيران من برنامجها النووي وقدراتها الدفاعية، ومستقبل مضيق هرمز، إضافة إلى موقف الدول الإقليمية من أي ترتيبات أمنية جديدة.
إن خطاب بزشكيان في الأمم المتحدة لم يكن مجرد حديث عن الحرب الحالية، بل كان محاولة لعرض تصور إيران لمستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة ودول المنطقة. فقد جمعت طهران بين التأكيد على عدم الخضوع للضغط وبين الإشارة إلى إمكانية التعايش مع الجيران، مع التشديد على أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يأخذ في الاعتبار المطالب الإيرانية المتعلقة بالأمن والسيادة والبرنامج النووي والممرات البحرية.
وفي ظل استمرار التوتر العسكري والاقتصادي، ستظل نيويورك ومضيق هرمز وطاولة المفاوضات ثلاث ساحات مترابطة في تحديد مسار الأزمة. وبينما تستمر التصريحات الحادة من واشنطن وطهران، فإن التطورات الميدانية في المنطقة ستبقى عاملاً مؤثراً في أي محاولة لإعادة بناء الثقة وفتح طريق نحو وقف القتال وترتيب أمني جديد في الشرق الأوسط.
وتشير الأحداث الأخيرة إلى أن الطريق أمام تسوية شاملة ما زال معقداً. فالاتصالات الدبلوماسية موجودة، لكنها لم تنتج حتى الآن اتفاقاً جديداً، في حين يستمر التصعيد الأمني في المنطقة. وبين الموقف الإيراني الذي يرفض تقديم تنازلات تحت الضغط، والموقف الأميركي الذي يطالب بتغييرات واسعة في السلوك والسياسات الإيرانية، تبدو المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة الطرفين على الانتقال من الرسائل العلنية إلى تفاوض مباشر ومستمر يمكن أن يعالج الملفات الأكثر حساسية.
المصدر: استناداً إلى المعلومات الواردة في التقرير الذي قدمه المستخدم عن CNN، مع إعادة صياغة تحريرية باللغة العربية.
