بيروت — أعلنت إسرائيل، الخميس، أن قواتها العسكرية تمكنت من تطهير مسارين تحت الأرض قالت إنهما كانا يستخدمان من قبل مقاتلي حزب الله داخل مجمع محصّن يقع أسفل مرتفعات استراتيجية في جنوب لبنان، مؤكدة أن العملية تهدف إلى تفكيك ما وصفته بالمنشأة العسكرية تحت الأرض و«تحييدها» بعد سنوات من استخدام المنطقة، بحسب ما أعلن الجيش الإسرائيلي. وقال الجيش إن المجمع يقع أسفل سلسلة تلال تُعرف باسم علي الطاهر، على مسافة تقارب ستة أميال من الحدود اللبنانية مع إسرائيل، مشيراً إلى أن قواته عملت خلال العملية على تأمين طريقين تحت الأرض والوصول إلى أجزاء من المجمع، بينما قُتل عدد من المسلحين الموجودين بداخله أو تمكن آخرون من الفرار، في حين لم يصدر حتى الآن تعليق فوري من حزب الله أو السلطات اللبنانية بشأن الرواية الإسرائيلية.
وتأتي العملية في وقت بالغ الحساسية بالنسبة إلى الوضع الأمني والسياسي في جنوب لبنان، إذ تهدد الخطوة الإسرائيلية بزيادة الضغوط على الحكومة والجيش اللبنانيين اللذين يواجهان تحديات متواصلة في الحد من نفوذ حزب الله وتعزيز سلطة الدولة في المناطق الحدودية، كما قد تضع العملية اختباراً جديداً أمام اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، وهو الاتفاق الذي لم يكن حزب الله طرفاً مباشراً فيه. ويخشى مراقبون أن يؤدي استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية إلى تعقيد جهود تثبيت الهدوء على الحدود وفتح الباب أمام جولة جديدة من التصعيد الإقليمي، خصوصاً في ظل التوتر المتزايد بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة.
وبحسب الجيش الإسرائيلي، بدأت العملية في شهر يونيو/حزيران الماضي عندما قامت آلاف القوات الإسرائيلية بمحاصرة المجمع التابع لحزب الله في المنطقة، ما أدى، وفق الرواية الإسرائيلية، إلى احتجاز عشرات المسلحين داخله. وقال الجيش إن العملية لا تزال مستمرة، وإن الهدف الأساسي منها هو إزالة البنية التحتية تحت الأرض التي يعتبرها جزءاً من القدرات العسكرية لحزب الله في جنوب لبنان. وتكتسب المرتفعات أهمية استراتيجية بسبب موقعها الجغرافي وإشرافها على مساحات واسعة من المنطقة الجنوبية، الأمر الذي يجعل السيطرة عليها ذات قيمة عسكرية بالنسبة إلى أي طرف يسعى إلى مراقبة التحركات والطرق والمواقع المحيطة بالحدود.
ويأتي التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان بالتزامن مع عودة التوتر إلى الواجهة بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام الأخيرة، في وقت تراجعت فيه الآمال بشأن التوصل إلى تسوية تفاوضية بين واشنطن وطهران. وفي تطور يزيد من حساسية الموقف، نقلت إيران رسالة إلى الولايات المتحدة عبر سلطنة عُمان، التي لعبت دوراً في الوساطة بين الجانبين، حذرت فيها من أن السيطرة الإسرائيلية على المرتفعات الاستراتيجية في جنوب لبنان قد تمثل تجاوزاً لـ«خط أحمر». ووفق مسؤول إيراني وعضو في الحرس الثوري الإيراني، حذرت طهران من أنها سترد بقوة إذا استمرت العملية الإسرائيلية.
ويعكس هذا التطور الترابط المتزايد بين ساحات الصراع في الشرق الأوسط، حيث يمكن لأي تحرك عسكري في لبنان أن تكون له تداعيات تتجاوز الحدود اللبنانية والإسرائيلية، ولا سيما في ظل العلاقة الوثيقة بين حزب الله وإيران. كما أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية قد يضع واشنطن أمام معادلة دبلوماسية وأمنية أكثر تعقيداً، خصوصاً أن الولايات المتحدة لعبت دوراً رئيسياً في التوسط للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، بينما تسعى في الوقت نفسه إلى إدارة المواجهة المتصاعدة مع طهران ومنع توسعها إلى حرب إقليمية أوسع.
وتراقب بيروت التطورات بقلق، في ظل مساعي الدولة اللبنانية للحفاظ على الاستقرار ومنع تحول الجنوب إلى ساحة مفتوحة لمواجهة جديدة. كما يواجه الجيش اللبناني ضغوطاً متزايدة لإثبات قدرته على فرض سلطة الدولة وحماية الحدود، في وقت لا تزال فيه مسألة سلاح حزب الله ونفوذه العسكري والسياسي من أكثر الملفات حساسية في المشهد اللبناني الداخلي.
ومع استمرار العملية الإسرائيلية وعدم صدور موقف تفصيلي من حزب الله أو الحكومة اللبنانية حتى الآن، تبقى احتمالات التصعيد مفتوحة، خصوصاً إذا توسعت العمليات أو سقط المزيد من القتلى داخل المجمع أو امتدت المواجهات إلى مناطق أخرى. ويرى مراقبون أن التطورات المقبلة في جنوب لبنان ستعتمد إلى حد كبير على قدرة الأطراف المعنية على احتواء الموقف ومنع انتقال التوتر بين إسرائيل وحزب الله إلى مواجهة أوسع، في وقت تتداخل فيه الأزمة اللبنانية مع الصراع الأميركي ـ الإيراني والتوتر الإقليمي المتسارع.
إسرائيل تشن غارة على شبكة حزب الله السرية، وإيران تحذر من الرد.
