نيويورك ــ تحولت كلمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى واحدة من أبرز محطات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، بعدما خصص جانباً مهماً من خطابه للحديث عن إيران، ملوحاً بخيارين قال إنهما مطروحان أمام الولايات المتحدة، أحدهما التوصل إلى اتفاق يسمح لإيران بإعادة بناء اقتصادها ودولتها، والآخر اتخاذ إجراءات عسكرية شديدة ضد الجمهورية الإسلامية. وجاء خطاب ترامب في وقت تحمل فيه الدورة الحالية شعاراً يركز على استعادة الثقة وإدارة التحولات وبناء أمم متحدة قادرة على العمل من أجل الجميع، وهو ما جعل حديثه عن إيران والحرب والدبلوماسية موضع اهتمام واسع داخل أروقة المنظمة الدولية وخارجها. وقال ترامب إنه يواجه قراراً كبيراً بشأن إيران، مشيراً إلى احتمال التوصل إلى اتفاق يمكن أن يمنح البلاد فرصة لإعادة البناء وأن تصبح دولة أقوى وأكثر ازدهاراً، لكنه في الوقت نفسه تحدث عن إمكانية تدمير النظام الإيراني إذا لم يتم التوصل إلى تسوية. واستخدم الرئيس الأميركي عبارات شديدة اللهجة في وصف الخيار العسكري، مؤكداً أن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بامتلاك قدرات نووية تهدد الأمن الأميركي أو أمن حلفائها. وفي المقابل، ترك ترامب الباب مفتوحاً أمام الدبلوماسية، قائلاً إنه يعتقد أن التوصل إلى اتفاق مع إيران قد يكون ممكناً بعد الانتخابات النصفية الأميركية، في إشارة إلى أن طهران قد تكون تراقب نتائج الانتخابات قبل اتخاذ قراراتها بشأن المفاوضات. ويكشف هذا الموقف عن مفارقة واضحة في السياسة الأميركية تجاه إيران، إذ يجمع الخطاب بين التهديد العسكري والحديث عن اتفاق سياسي واقتصادي يمكن أن يفتح طريقاً مختلفاً للعلاقات بين البلدين. وفي الوقت الذي كان ترامب يلقي كلمته أمام قادة العالم، شهدت قاعة الجمعية العامة مشهداً لافتاً تمثل في مغادرة عدد من أعضاء الوفد الإيراني القاعة أثناء حديث الرئيس الأميركي عن إيران. ووفق تقارير إعلامية، لم يكن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي داخل القاعة خلال خطاب ترامب، بينما غادر أعضاء من الوفد الإيراني أثناء حديثه. ويعكس هذا المشهد مستوى التوتر السياسي بين واشنطن وطهران، لكنه لا يعني بالضرورة إغلاق قنوات الاتصال الدبلوماسي بين الطرفين، إذ تحدثت تقارير لاحقة عن اجتماع استمر نحو ثلاث ساعات بين ممثلين أميركيين وإيرانيين في نيويورك. وقال ترامب إن مبعوثه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر عقدا اجتماعاً مع مسؤولين إيرانيين، ووصف اللقاء بأنه كان جيداً. وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأنها تظهر أن الخطاب العلني المتشدد لا يمنع بالضرورة استمرار الاتصالات خلف الكواليس. فالولايات المتحدة تواصل الضغط على إيران عبر الخطاب السياسي والعقوبات والتهديد بالقوة، لكنها في الوقت نفسه تبحث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق يمنع التصعيد ويعالج الملفات التي تعتبرها واشنطن أساسية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية والقضايا الأمنية الإقليمية. وفي خطابه، دافع ترامب أيضاً عن القدرات العسكرية الأميركية، رافضاً ما وصفه بالادعاءات التي تقول إن الولايات المتحدة تعاني نقصاً في الذخائر بسبب العمليات العسكرية الأخيرة. وقال إن لدى الولايات المتحدة ذخائر أكثر مما يمكن تصوره، وإنها تنتج الأسلحة والذخائر بسرعة أكبر من أي وقت مضى، مؤكداً أن بلاده تعمل على زيادة مخزوناتها العسكرية. لكن النقاش حول حجم المخزونات الأميركية لم يختفِ، إذ أشارت تقارير إعلامية وتقييمات رسمية إلى وجود ضغوط على بعض أنواع الذخائر نتيجة العمليات العسكرية، فيما أكد ترامب أن الولايات المتحدة قادرة على مواصلة الإنتاج وتعويض أي استهلاك. ولذلك فإن قضية المخزونات العسكرية أصبحت جزءاً من النقاش الأوسع حول قدرة واشنطن على خوض عمليات عسكرية طويلة الأمد في أكثر من جبهة في الوقت نفسه. وتأتي تصريحات ترامب في ظل توتر عسكري وسياسي متزايد بين الولايات المتحدة وإيران، خصوصاً بعد الضربات الأميركية التي استهدفت مواقع داخل إيران في وقت سابق. وقد أثارت بعض تلك العمليات انتقادات دولية بسبب سقوط أعداد كبيرة من المدنيين. وفي سبتمبر/أيلول، قالت بعثة تحقيق تابعة للأمم المتحدة إن لديها أسباباً معقولة للاعتقاد بأن بعض الضربات الأميركية في إيران ربما تضمنت انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك هجمات أسفرت عن مقتل عدد كبير من المدنيين. ومن بين القضايا التي أثارت اهتماماً دولياً الهجوم الذي استهدف مدرسة في مدينة ميناب، حيث أشارت تقارير إلى مقتل أكثر من 150 شخصاً، بينهم عدد كبير من الأطفال. وتقول الولايات المتحدة إنها ترفض بعض التقييمات الصادرة عن هيئات الأمم المتحدة، بينما تواصل طهران التأكيد على أن الضربات الأميركية تسببت في خسائر كبيرة بين المدنيين وأن المجتمع الدولي مطالب بمحاسبة المسؤولين عنها. ومن المتوقع أن تشكل هذه القضايا جزءاً من الخطاب السياسي الإيراني في الأمم المتحدة، خصوصاً أن الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي موجودان في نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة. ومن المقرر أن يلقي بزشكيان كلمته أمام الجمعية العامة في اليوم التالي لخطاب ترامب. إلا أن مضمون الخطاب الإيراني بالتحديد لا يمكن الجزم به قبل إلقائه، ولذلك فإن أي حديث مسبق عن استخدام عبارات محددة أو توجيه اتهامات بعينها ينبغي التعامل معه باعتباره توقعاً أو تحليلاً، وليس موقفاً معلناً من الرئيس الإيراني. ومع ذلك، فإن الملفات التي أثارتها الضربات الأميركية، ومنها الهجوم على مدرسة ميناب والهجمات التي طالت منشآت مدنية، توفر لطهران مجموعة من القضايا التي يمكن أن تطرحها أمام المجتمع الدولي. وتكتسب الدورة الحالية للجمعية العامة أهمية إضافية بالنسبة للدبلوماسية الدولية بسبب استمرار الحرب والأزمات الأمنية في مناطق متعددة من العالم. وقد ركزت رئاسة الجمعية العامة على فكرة استعادة الثقة في النظام متعدد الأطراف، في وقت تواجه فيه الأمم المتحدة انتقادات متزايدة بسبب صعوبة التعامل مع النزاعات الكبرى وغياب التوافق بين القوى الدولية داخل مجلس الأمن. ويرأس الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة وزير الخارجية البنغلاديشي الدكتور خليل الرحمن، الذي دعا في كلمته الافتتاحية إلى تعزيز التعاون الدولي واستعادة ثقة الشعوب في قدرة الأمم المتحدة على تحقيق نتائج عملية. وفي هذا السياق، يمثل التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران اختباراً مهماً لقدرة المنظمة الدولية على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة رغم الخلافات العميقة بين الدول الأعضاء. وتبرز قضية إيران تحديداً باعتبارها واحدة من أكثر الملفات تعقيداً، لأنها لا ترتبط فقط بالبرنامج النووي، وإنما تشمل أيضاً الصواريخ الباليستية والأمن الإقليمي والعقوبات والعلاقات مع حلفاء إيران في المنطقة والوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط. وترى واشنطن أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يمثل أولوية أمنية، بينما ترفض طهران الضغوط الأميركية وتؤكد حقها في تطوير برنامج نووي للأغراض السلمية ضمن الالتزامات الدولية التي قبلت بها. وبين الموقفين، تحاول بعض الأطراف الدولية الدفع نحو مسار تفاوضي يمكن أن يمنع العودة إلى مواجهة عسكرية واسعة. ويشير اجتماع المسؤولين الأميركيين والإيرانيين في نيويورك إلى أن قنوات الاتصال لا تزال قائمة، حتى في ظل التصريحات المتشددة من الطرفين. لكن استمرار الاتصالات لا يعني أن اتفاقاً أصبح قريباً أو أن الخلافات الأساسية قد حُلت. فهناك قضايا صعبة تتعلق بمستوى تخصيب اليورانيوم، والرقابة الدولية على المنشآت النووية، والعقوبات الأميركية، والبرنامج الصاروخي، والضمانات التي تطلبها إيران في حال التوصل إلى اتفاق جديد. كما أن التجارب السابقة بين واشنطن وطهران جعلت مسألة الثقة واحدة من أصعب العقبات أمام أي تفاوض طويل الأمد. ومن هنا، فإن تصريحات ترامب في الأمم المتحدة تحمل رسالتين متوازيتين: الأولى أن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام القوة إذا رأت أن أمنها أو أمن حلفائها مهدد، والثانية أن الباب أمام الاتفاق لم يُغلق بالكامل. أما إيران، فتسعى إلى استخدام المنابر الدولية لعرض روايتها بشأن الضربات الأميركية والملف النووي والعقوبات، مع التأكيد على سيادتها ورفضها لما تعتبره تهديداً خارجياً. وبين الخطابين، تبقى الأمم المتحدة إحدى الساحات القليلة التي يمكن أن تلتقي فيها المواقف المتعارضة علناً، حتى وإن لم تؤدِ تلك اللقاءات بالضرورة إلى اتفاقات مباشرة. وتكشف التطورات الأخيرة في نيويورك أن الأزمة الإيرانية دخلت مرحلة دقيقة تجمع بين الضغط العسكري والتفاوض السياسي. فبينما يتحدث ترامب عن إمكانية تدمير النظام الإيراني، يتحدث في الوقت نفسه عن اتفاق يمكن أن يسمح لإيران بإعادة بناء اقتصادها، فيما يستمر مسؤولون من الجانبين في عقد لقاءات غير معلنة. وهذه الصورة المتناقضة تجعل مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران مفتوحاً على أكثر من احتمال، من العودة إلى المفاوضات وصولاً إلى تصعيد عسكري جديد. وفي جميع الأحوال، فإن أي اتفاق مستقبلي لن يكون مرتبطاً فقط بالتصريحات السياسية، بل بقدرة الطرفين على معالجة الملفات الأساسية ووضع ترتيبات يمكن التحقق منها وتوفير ضمانات تمنع انهيار الاتفاق عند أول أزمة جديدة. ومع استمرار الحرب والتوتر في المنطقة، تتزايد الضغوط على المجتمع الدولي لإيجاد مسار سياسي يمنع توسع الصراع. ويبقى السؤال الأهم بعد خطاب ترامب أمام الجمعية العامة: هل يمكن أن تتحول لغة التهديد المتبادل إلى مفاوضات حقيقية تفضي إلى اتفاق، أم أن التصعيد سيطغى مرة أخرى على الدبلوماسية؟ الإجابة ستتضح مع تطور الاتصالات بين واشنطن وطهران، ومع المواقف التي سيعلنها المسؤولون الإيرانيون والأميركيون خلال الأيام المقبلة في نيويورك وخارجها.
