نيويورك – 3 سبتمبر 2026: في تطور قانوني وسياسي قد يفتح نقاشاً واسعاً حول حدود الحصانة السيادية وتطبيق القانون الدولي على المسؤولين الأجانب، تقدّم فريق الدفاع عن الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو بطلب إلى محكمة اتحادية في مانهاتن لإسقاط الاتهامات الجنائية الموجهة إليه، مستنداً إلى أن مادورو كان، وفقاً للدفاع، رئيساً لدولة ذات سيادة ويتمتع بالحصانة من الملاحقة الجنائية أمام القضاء الأميركي.
وقال محامي مادورو، باري بولاك، في مذكرة قانونية إن المحكمة الأميركية لا تملك الاختصاص لمحاكمة موكله، مؤكداً أن مبدأ حصانة رؤساء الدول يمثل قاعدة راسخة في القانون الدولي، وأن الأفعال التي تستند إليها الاتهامات الأميركية ارتبطت، بحسب دفاعه، بمهامه الرسمية كرئيس لفنزويلا. ويأتي الطلب في وقت تواجه فيه القضية اهتماماً دولياً متزايداً بسبب ارتباطها المباشر بقضايا السيادة والعلاقات بين الدول واختصاص المحاكم الوطنية في ملاحقة مسؤولين أجانب.
وكانت السلطات الأميركية قد وجهت إلى مادورو اتهامات تتعلق بتهريب المخدرات وجرائم مرتبطة بها، بينما ينفي الرئيس الفنزويلي السابق هذه الاتهامات وسبق أن دفع ببراءته أمام المحكمة. وتعود القضية إلى عملية عسكرية أميركية في كاراكاس في يناير/كانون الثاني 2026 انتهت بإلقاء القبض على مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، حيث يحتجز في سجن اتحادي في بروكلين.
ويرى فريق الدفاع أن محاكمة رئيس دولة أجنبي أمام القضاء الأميركي، في الظروف التي أحاطت باعتقال مادورو، تثير مسائل جوهرية تتعلق بالقانون الدولي والحصانة السيادية واختصاص المحاكم الوطنية. ويؤكد الدفاع أن مادورو كان معترفاً به من جانب فنزويلا باعتباره رئيس الدولة، وأن عدم اعتراف الحكومة الأميركية بشرعيته السياسية لا ينبغي، من وجهة نظره، أن يلغي مبدأ الحصانة المرتبط بمنصب رئيس الدولة.
غير أن موقف الدفاع يواجه تحديات قانونية كبيرة؛ إذ تشير سوابق قضائية أميركية وآراء خبراء قانونيين إلى أن المحاكم الأميركية عادة ما تأخذ في الاعتبار موقف السلطة التنفيذية الأميركية بشأن الاعتراف بحكومات ورؤساء الدول الأجنبية. وكانت الولايات المتحدة قد توقفت عن الاعتراف بمادورو رئيساً شرعياً لفنزويلا منذ عام 2019، على خلفية نزاعها حول شرعية الانتخابات الفنزويلية، كما رفضت واشنطن لاحقاً الاعتراف بإعادة انتخابه في عام 2024.
ويستند الادعاء الأميركي ضد مادورو إلى ملف جنائي يعود إلى سنوات، بينما تؤكد عائلة مادورو ودفاعه رفض الاتهامات الموجهة إليه. وتأتي محاولة إسقاط القضية في وقت حساس بالنسبة للعلاقات الأميركية الفنزويلية، خصوصاً مع التحولات السياسية التي شهدتها كاراكاس بعد احتجاز مادورو وتولي نائبة الرئيس السابقة ديلسي رودريغيز إدارة البلاد بصورة مؤقتة.
ومن المقرر أن يرد الادعاء الأميركي على طلب الدفاع بحلول 2 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بينما حُددت جلسة للنظر في طلب إسقاط الاتهامات في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2026. وإذا لم تنجح محاولة الدفاع، فمن المقرر أن تبدأ محاكمة مادورو في 1 يونيو/حزيران 2027.
وتكتسب القضية أهمية تتجاوز شخص مادورو، إذ قد تشكل نتيجة المعركة القانونية اختباراً جديداً لمدى استعداد القضاء الأميركي لتطبيق مبادئ القانون الدولي المتعلقة بحصانة رؤساء الدول في القضايا الجنائية. كما يمكن أن تؤثر القضية في النقاش الأوسع حول العلاقة بين السيادة الوطنية، والاعتراف السياسي بالحكومات، واختصاص المحاكم الوطنية في القضايا التي تتداخل فيها السياسة الخارجية مع القانون الجنائي.
وفي المقابل، يرى خبراء قانونيون أن فرص مادورو في إسقاط القضية تبدو صعبة، في ظل الموقف الأميركي من شرعيته السياسية والسوابق القضائية التي لا تمنحه أساساً واضحاً للنجاح. وبذلك تتحول قضية مادورو إلى مواجهة قانونية وسياسية تحمل تداعيات محتملة على مستقبل العلاقات بين واشنطن وكاراكاس وعلى مفهوم حصانة رؤساء الدول أمام القضاء الأجنبي.
“حصانة كرئيس للدولة” – مادورو يدعي في محكمة أمريكية
