فاز الرئيس البرازيلي اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية رئاسية رابعة في انتخابات الإعادة التي جرت يوم الأحد 25 أكتوبر 2026، متغلبًا على منافسه السيناتور فلافيو بولسونارو، حليف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في نتيجة تحمل دلالات سياسية مهمة داخل البرازيل وخارجها، إلا أن فوز لولا جاء وسط اعتراضات من منافسه الذي أعلن رفضه الاعتراف بالنتائج، متوعدًا باللجوء إلى القضاء والمطالبة بإلغاء الانتخابات، بعدما حصل الرئيس البرازيلي على أكثر من 51 في المئة من الأصوات، متقدمًا بنحو 4.4 مليون صوت على فلافيو، الذي اتهم السلطات الانتخابية باتخاذ إجراءات أثرت في سير عملية التصويت، ولا سيما قرار المحكمة العليا تمديد فترة الاقتراع ساعتين إضافيتين في اللحظات الأخيرة، وقال أمام أنصاره في العاصمة برازيليا إنه لا يمكن الاعتراف بنتيجة الانتخابات في ظل الظروف التي جرت فيها هذه التطورات، مؤكدًا أن فريقه سيتخذ إجراءات قانونية للمطالبة بإبطالها، بينما شدد لولا، عقب إعلان فوزه، على أن حكومته ستعمل على تغيير أسلوب إدارة البلاد ومنح المواطنين دورًا أكبر في عملية صنع القرار، كما وجه الشكر إلى الشعب البرازيلي، ولا سيما الشباب الذين خرجوا إلى الشوارع للدفاع عن الديمقراطية، وشهدت مدن عدة، من بينها ريو دي جانيرو وبيلو هوريزونتي، تجمعات لأنصار الرئيس احتفالًا بالنتيجة، وسط هتافات وأبواق سيارات ورفع الإشارات المؤيدة له، في حين شكلت الهزيمة انتكاسة جديدة للتيار السياسي المرتبط بعائلة بولسونارو، بعدما أخفق فلافيو في تحقيق الهدف الذي لم يتمكن والده، الرئيس السابق جايير بولسونارو، من تحقيقه في انتخابات عام 2022، عندما خسر أمام لولا، ويأتي ذلك في وقت يقضي فيه جايير بولسونارو عقوبة بالسجن على خلفية قضية تتعلق بمحاولة قلب نتائج الانتخابات السابقة، وفقًا لما أورده التقرير، فيما تكشف نتائج الاقتراع الجديد عن استمرار الانقسام السياسي العميق داخل البرازيل بين اليسار واليمين، وعن قدرة التيار المحافظ على الاحتفاظ بقاعدة انتخابية واسعة رغم غياب زعيمه السابق عن المشهد السياسي الحر.
وشهدت الانتخابات تطورات متوترة في يوم التصويت، إذ وافق القاضي كريستيانو زانين، من المحكمة العليا البرازيلية، على تمديد الاقتراع لمدة ساعتين استجابة لطلب تقدم به فريق حملة لولا، مستندًا إلى حوادث أثرت في حركة الحافلات المستخدمة لنقل الناخبين إلى مراكز الاقتراع في عدد من الولايات، كما كانت حملة فلافيو بولسونارو قد طلبت بدورها تمديد التصويت في بعض المناطق، مشيرة إلى صعوبات واجهها الناخبون في الوصول إلى مراكز الاقتراع بسبب الأمطار الغزيرة، وصدر قرار التمديد قرابة الساعة الخامسة مساءً بالتوقيت المحلي في برازيليا، في وقت كانت فيه مراكز الاقتراع تستعد للإغلاق، وكانت بعض المراكز قد أغلقت بالفعل، وهو ما أثار اعتراضات من جانب المعسكر المحافظ ودفعه إلى التشكيك في سلامة الإجراءات، غير أن إعلان نية الطعن لا يعني بحد ذاته ثبوت وقوع مخالفات أو إلغاء النتيجة، إذ يبقى الفصل في أي اعتراضات قانونية من اختصاص المؤسسات القضائية والانتخابية المختصة.
وكانت الجولة الأولى قد كشفت عن صعوبة طريق لولا نحو إعادة انتخابه، بعدما تقدم فلافيو عليه بنحو 2.2 مليون صوت، وفقًا للبيانات التي أوردها التقرير عن المحكمة الانتخابية العليا، ولم يتمكن أي من المرشحين من تجاوز النسبة المطلوبة للفوز المباشر، الأمر الذي دفعهما إلى خوض جولة إعادة في بلد تتباين فيه المواقف بشأن الاقتصاد والأمن والفساد ومستقبل النظام السياسي، واضطر المرشحان إلى محاولة استقطاب الناخبين المترددين وحشد قواعدهما الانتخابية، في ظل تراجع الثقة لدى قطاعات من المجتمع في قدرة الطبقة السياسية على معالجة المشكلات اليومية، وعلى الرغم من تقدم فلافيو في الجولة الأولى، تمكن لولا من قلب المعادلة في الجولة الثانية، في نتيجة تمثل سابقة في تاريخ الانتخابات الرئاسية المباشرة منذ عودتها عام 1989، بحسب التقرير، إذ أصبح أول مرشح يفوز بالرئاسة بعد أن حل في المركز الثاني خلال الجولة الأولى.
وكانت قضايا الأمن والجريمة وارتفاع تكاليف المعيشة والفساد من أبرز الملفات التي سيطرت على الحملة الانتخابية، فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسستا كواست وباكس في سبتمبر أن 28 في المئة من البرازيليين يعتبرون العنف أكبر مشكلة تواجه البلاد، تليه قضية الفساد بنسبة 22 في المئة، ثم الاقتصاد بنسبة 19 في المئة، وهي أرقام عكست حجم الضغوط التي يواجهها الناخبون في حياتهم اليومية، واستغل فلافيو المخاوف الأمنية لتقديم نفسه بوصفه المرشح الأكثر تشددًا في مواجهة الجريمة المنظمة، متعهدًا بتصنيف العصابات الإجرامية الكبرى على أنها جماعات إرهابية، وتوسيع السجون وخفض سن المسؤولية الجنائية، كما تبنى خطابًا أمنيًا صارمًا مستشهدًا بتجربة الرئيس السلفادوري نجيب بوكيلي، معتبرًا أن السياسات المتبعة هناك لا تزال بحاجة إلى إجراءات أكثر تشددًا، في المقابل واجه لولا انتقادات من خصومه الذين اتهموا التيار اليساري بالتساهل مع الجريمة، بعدما أثار مقطع سابق للرئيس جدلًا واسعًا بسبب تصريحات فُهمت على أنها تربط مسؤولية تجار المخدرات بسلوك مستهلكيها، وقد أقر لولا لاحقًا بأنه لم يعبر عن موقفه بالشكل المناسب، وأظهرت هذه القضية أن الأمن لم يكن مجرد ملف انتخابي فرعي، بل أحد العوامل التي ساهمت في تحديد مواقف شرائح واسعة من الناخبين.
وعلى الصعيد الاقتصادي، واجه لولا تحديًا يتمثل في إقناع المواطنين بأن سياساته قادرة على تحسين أوضاعهم المعيشية، فعلى الرغم من أن حكومته تستطيع الإشارة إلى انخفاض البطالة وتراجع التضخم، فإن هذه المؤشرات لم تكن كافية لتبديد شعور كثير من الأسر بأن الأسعار اليومية لا تزال مرتفعة وأن التحسن الاقتصادي لا ينعكس بالقدر المتوقع على ميزانياتها، وكان لولا قد حقق خلال ولايتيه الرئاسيتين الأوليين مكاسب اجتماعية ساهمت في إخراج ملايين البرازيليين من الفقر وتعزيز مكانة قطاعات من الطبقة الوسطى، مستفيدًا آنذاك من طفرة أسعار السلع الأساسية، إلا أن الظروف الاقتصادية والسياسية الحالية جعلت مهمة استعادة الثقة أكثر تعقيدًا، في حين حاول فلافيو استثمار الاستياء الشعبي من تكاليف المعيشة وربطها بأداء الحكومة، وأشار محللون إلى أن التجربة البرازيلية تعكس مشكلة تواجه عددًا من الحكومات في العالم، إذ لا تكفي المؤشرات الاقتصادية العامة دائمًا لإقناع الناخبين عندما تستمر الضغوط على أسعار الغذاء والسكن والخدمات الأساسية.
كما ظلت اتهامات الفساد مصدرًا رئيسيًا للتوتر بين المعسكرين، فقد تبادل لولا وفلافيو الاتهامات خلال الحملة الانتخابية، وطرح كل طرف تساؤلات بشأن علاقات خصمه وشبكات النفوذ المحيطة به، وتناول النقاش قضايا مرتبطة بالمصرف المنهار بانكو ماستر ورئيسه السابق دانيال فركارو، إضافة إلى مزاعم أثارت جدلًا بشأن أفراد من عائلة الرئيس البرازيلي، بينما اتهم فلافيو خصمه بالفساد، وهي اتهامات ينبغي التعامل معها بوصفها مزاعم سياسية وقضائية لا أحكامًا نهائية تثبت مسؤولية أصحابها، وكان لولا قد واجه في السابق إدانات بقضايا فساد أُلغيت عام 2021، وهو ما أعاد إلى الواجهة الجدل المستمر حول ماضيه السياسي والقضائي، ويرى مراقبون أن تكرار هذه الاتهامات لدى الطرفين يعمق حالة الإحباط لدى المواطنين ويزيد الشكوك في المؤسسات السياسية، كما يمكن أن يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الناخبين والنظام الحزبي، خصوصًا عندما يشعر المواطنون بأن الصراعات السياسية تطغى على معالجة مشكلات الأمن والدخل والخدمات العامة.
ومن العوامل التي لعبت دورًا بارزًا في المنافسة الانتخابية موقف النساء والناخبين المتدينين، إذ تشكل النساء قرابة 53 في المئة من إجمالي الناخبين المسجلين في البرازيل، وأظهرت استطلاعات سابقة للجولة الثانية أن لولا يحظى بتأييد أكبر بين النساء، في حين سجل فلافيو تقدمًا بين الرجال، ووفق استطلاع نشرته داتافولها في 15 أكتوبر، تقدم لولا بين النساء بنسبة 49 في المئة مقابل 40 في المئة لفلافيو، بينما تقدم فلافيو بين الرجال بنسبة 52 في المئة مقابل 40 في المئة للرئيس، وتعكس هذه الفجوة تحولات سياسية واجتماعية شهدتها البلاد منذ صعود جايير بولسونارو إلى الرئاسة عام 2018، حين اتجهت قطاعات من الرجال إلى دعم اليمين، بينما أبدت نساء كثيرات ميلًا أكبر إلى حزب العمال اليساري، كما فرضت قضية العنف ضد النساء نفسها على الحملة الانتخابية بعد حوادث أثارت غضبًا عامًا، وسجلت البرازيل 1,571 جريمة قتل للنساء بدافع النوع الاجتماعي خلال عام 2025، وفقًا للأرقام التي أوردها التقرير عن المنتدى البرازيلي للأمن العام، وهو أعلى عدد منذ إدراج هذه الجريمة في القانون عام 2015، الأمر الذي دفع المرشحين إلى تقديم تعهدات بشأن حماية النساء وتعزيز الاستجابة الأمنية والقضائية لهذه الجرائم.
وتتجاوز أهمية فوز لولا حدود السياسة الداخلية البرازيلية، إذ تمثل البرازيل أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية، كما تحتل موقعًا مهمًا في قضايا التجارة والطاقة والمناخ والعلاقات الدولية، ومن المتوقع أن يؤثر استمرار لولا في الحكم على توجهات السياسة الخارجية للبلاد، التي سعى خلالها إلى تأكيد استقلال القرار البرازيلي وتعزيز التعاون مع دول الجنوب العالمي والصين، مع الحفاظ على علاقات مع الولايات المتحدة وغيرها من القوى الدولية، وقد جاءت الانتخابات في وقت تتسم فيه العلاقات بين واشنطن وعدد من حكومات أمريكا اللاتينية بالتباين بشأن التجارة والسيادة والسياسات الإقليمية، وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن قبل إغلاق مراكز الاقتراع أنه يتابع الانتخابات البرازيلية، لكنه امتنع عن إعلان تأييد رسمي لأي من المرشحين، رغم إشادته سابقًا بأداء فلافيو في الجولة الأولى ووصفه الانتخابات بأنها مهمة للغاية، ويعني فوز لولا استمرار قيادة يسارية تتبنى نهجًا مستقلًا نسبيًا في السياسة الخارجية، وهو ما قد ينعكس على طبيعة الحوار مع واشنطن وعلى علاقات برازيليا ببكين وشركائها في مجموعة دول الجنوب العالمي.
وعلى المستوى الإقليمي، يأتي فوز لولا رغم اتجاه ملحوظ نحو اليمين في عدد من الانتخابات التي شهدتها أمريكا اللاتينية منذ أبريل 2025، وفقًا للتحليل الوارد في التقرير، إذ حقق مرشحون من اليمين أو الوسط اليمين نتائج مهمة في دول عدة، كما أشار استطلاع داتافولها في يوليو إلى أن 44 في المئة من البرازيليين يميلون إلى اليمين أو الوسط اليمين في توجهاتهم السياسية، مقابل 39 في المئة يميلون إلى اليسار أو الوسط اليسار، في تغير عن التوازن الذي سجلته استطلاعات عام 2022، ومع ذلك، تمكن لولا من الفوز في الجولة الثانية، ما يشير إلى أن الانتماءات السياسية وحدها لا تحدد نتائج الانتخابات، وأن قضايا الأمن والاقتصاد والحقوق الاجتماعية وشخصية المرشحين وقدرتهم على استقطاب الناخبين المترددين تظل عوامل مؤثرة في القرار النهائي.
وبالنسبة إلى المرحلة المقبلة، سيواجه لولا مهمة صعبة تتمثل في تحويل فوزه الانتخابي إلى استقرار سياسي واجتماعي، ومعالجة مخاوف المواطنين بشأن الجريمة وتكاليف المعيشة والفساد، إلى جانب محاولة الحد من الاستقطاب الذي عمقته المنافسة بين حزب العمال والتيار المحافظ المرتبط بعائلة بولسونارو، كما سيتعين على حكومته التعامل مع معارضة سياسية قوية قد تستند إلى نتائج الجولة الأولى وإلى الاعتراضات المعلنة على إجراءات التصويت، بينما سيكون على فلافيو بولسونارو تقديم أدلة قانونية واضحة إذا أراد المضي قدمًا في مسعاه لإلغاء الانتخابات، وستكون قرارات السلطات المختصة بشأن أي طعون محتملة عاملًا مهمًا في تحديد مسار الأزمة السياسية بعد الاقتراع.
وفي المحصلة، يمنح فوز لولا البرازيل استمرارًا لقيادة يسارية تسعى إلى الجمع بين السياسات الاجتماعية والاستقلال في العلاقات الخارجية، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن مجتمع لا يزال منقسمًا بشأن الأمن والاقتصاد والفساد ودور الدولة، وبينما يحتفل أنصار الرئيس بإعادة انتخابه، يستعد معسكر بولسونارو لمعركة قانونية وسياسية جديدة، ما يجعل الفترة التالية للانتخابات اختبارًا لقدرة المؤسسات البرازيلية على التعامل مع الخلافات ضمن الأطر الدستورية، ولقدرة الحكومة الجديدة على الاستجابة لمطالب المواطنين الذين ينتظرون تحسنًا ملموسًا في حياتهم اليومية.
المصدر: CNN Brasil، نقلًا عن رويترز، وفقًا للتقرير المنشور في 25 أكتوبر 2026.
إعداد وصياغة: al-Mujaddid 24com
