الولايات المتحدة | 21 سبتمبر 2026
في واقعة غير معتادة قبالة سواحل ولاية فلوريدا الأمريكية، تحولت رحلة صيد عادية إلى عملية استعادة لمسيّرة عسكرية أمريكية بعد أن عثر عليها صيادون عائمة فوق سطح المياه بالقرب من قاعدة إيغلين الجوية.
وكان طاقم شركة Hot Spots Charters في رحلة صيد قبالة ساحل فلوريدا يوم السبت 19 سبتمبر، عندما شاهد أفراد الطاقم جسماً غير مألوف يطفو في البحر. وبعد الاقتراب منه، تبين أنه طائرة مسيّرة كبيرة ذات تصميم يشبه الطائرات الهجومية أحادية الاتجاه التي اشتهرت بها الطائرة الإيرانية شاهد-136.
وبحسب صور الطائرة والمعلومات التي نشرتها مجلة The War Zone، فإن المسيّرة تبدو من عائلة FLM-136، وهي منصة أمريكية مرتبطة بنظام LUCAS، الذي طورته الولايات المتحدة لمحاكاة واستخدام نمط الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة المشابهة للطائرة الإيرانية شاهد-136.
لكن القوات الجوية الأمريكية لم تؤكد رسمياً أن الطائرة التي عثر عليها الصيادون هي بالفعل المسيّرة نفسها التي فقدتها قاعدة إيغلين.
القوات الجوية الأمريكية تؤكد فقدان مسيّرة خلال اختبار
بعد انتشار صور المسيّرة على وسائل التواصل الاجتماعي، أكدت قاعدة إيغلين الجوية أن إحدى الطائرات المسيّرة التابعة لها فقدت خلال اختبار عسكري.
وقال متحدث باسم القاعدة لمجلة The War Zone إن القوات الجوية كانت تجري اختباراً وإن «المادة الاختبارية سقطت»، لكنه لم يكشف نوع الطائرة أو تفاصيل الاختبار أو مكان سقوطها.
ولم يؤكد المسؤول أن الطائرة التي عثر عليها الصيادون هي نفسها التي فقدت أثناء الاختبار، إلا أن موقع العثور عليها وقربه من منطقة الاختبارات الجوية التابعة لقاعدة إيغلين يجعلان هذا الاحتمال محل اهتمام.
وتقع قاعدة إيغلين في منطقة فلوريدا بانهاندل، وتضم الجناح التجريبي رقم 96 التابع للقوات الجوية الأمريكية، وهو مسؤول عن اختبار وتقييم عدد كبير من الأنظمة والأسلحة الجوية.
وتشمل منطقة الاختبارات التابعة للقاعدة مساحات واسعة فوق خليج المكسيك، ما يسمح للقوات الأمريكية بإجراء اختبارات للطائرات والأسلحة والأنظمة غير المأهولة بعيداً عن المناطق السكنية.
صيادون يعثرون على الطائرة بالصدفة
بحسب المعلومات التي نشرتها وسائل إعلام أمريكية، كان قبطان القارب دانيال أرسينو يقود رحلة الصيد عندما شاهد الجسم يطفو فوق المياه.
وقال القبطان إنه كان يبحر في المنطقة عندما لاحظ الطائرة في البحر، ثم اقترب منها وقام برفعها إلى القارب بمساعدة أفراد الرحلة.
وتظهر الصور التي التقطت للطائرة أنها كبيرة نسبياً مقارنة بقارب الصيد، وأنها كانت تفتقد أجزاء مهمة من مقدمتها ومحركها والمروحة الخلفية.
وذكرت مجلة The War Zone أن فقدان بعض هذه الأجزاء يمكن أن يحدث نتيجة اصطدام الطائرة بالمياه أو تعرضها لأضرار أثناء السقوط.
وبعد استعادة الطائرة، أبلغ طاقم القارب الجهات المختصة، قبل أن تصل جهة حكومية وتقوم باستلامها.
وفي منشور لاحق، أشارت شركة الصيد إلى أن «السيارات السوداء» جاءت لاستعادة الطائرة، في إشارة إلى وصول أفراد رسميين لاستلامها.
ما علاقة الطائرة الإيرانية شاهد-136؟
تكتسب الحادثة أهمية خاصة بسبب التصميم الخارجي للطائرة التي عثر عليها الصيادون.
فالطائرة تبدو مشابهة إلى حد كبير لطائرة شاهد-136 الإيرانية، وهي طائرة مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه أصبحت من أكثر الطائرات المسيّرة شهرة في الحروب الحديثة.
وقد استخدمت روسيا طائرات من عائلة شاهد في الحرب بأوكرانيا، بينما أصبحت هذه الفئة من الطائرات جزءاً مهماً من العمليات العسكرية الإيرانية أيضاً.
وبحسب The War Zone، فإن النسخة الأمريكية FLM-136 طُورت في الأصل باعتبارها طائرة هدف تحاكي تهديدات من نوع شاهد-136، ثم ارتبطت لاحقاً ببرنامج LUCAS، أو نظام الهجوم القتالي غير المأهول منخفض التكلفة.
وهذا يعني أن الولايات المتحدة لم تكتفِ بتطوير وسائل دفاع ضد هذا النوع من الطائرات، بل عملت أيضاً على تطوير منصة تشبهها لاستخدامها في الاختبارات والتدريب، ثم تحولت التكنولوجيا إلى نظام هجومي منخفض التكلفة.
من شاهد-136 إلى LUCAS
أصبحت الطائرات المسيّرة الإيرانية منخفضة التكلفة نموذجاً مؤثراً في تطور الحرب الحديثة، بسبب قدرتها على تنفيذ هجمات بعيدة المدى بتكلفة أقل من كثير من الصواريخ التقليدية.
وأدى انتشار هذه الطائرات إلى دفع الولايات المتحدة ودول أخرى إلى البحث عن وسائل جديدة لمواجهتها، وكذلك إلى دراسة تصميماتها وتطوير منصات مشابهة لأغراض الاختبار والتدريب.
ويأتي نظام LUCAS في هذا السياق.
ووفقاً لتقارير عسكرية أمريكية، فإن LUCAS صُمم ليكون نظاماً منخفض التكلفة وقابلاً للاستخدام بأعداد كبيرة. وقد تحدثت القيادة المركزية الأمريكية في وقت سابق عن استخدام هذا النوع من الطائرات في العمليات العسكرية ضد إيران.
وتشير معلومات منشورة في The War Zone إلى أن تكلفة منصة LUCAS تبلغ عشرات آلاف الدولارات، وهي أقل بكثير من تكلفة العديد من الصواريخ بعيدة المدى. كما صُمم النظام للعمل خارج مدى الرؤية المباشرة وبطرق إطلاق مختلفة.
لماذا تهتم الولايات المتحدة بهذا النوع من الطائرات؟
أظهرت الحروب الأخيرة أن الطائرات المسيّرة الصغيرة ومنخفضة التكلفة يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في ساحات القتال.
فبدلاً من الاعتماد الكامل على الطائرات المقاتلة أو الصواريخ مرتفعة التكلفة، تستطيع الجيوش استخدام طائرات مسيّرة أقل تكلفة لتنفيذ مهام الاستطلاع أو التدريب أو الهجوم أو اختبار أنظمة الدفاع الجوي.
كما أن استخدام أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة يمكن أن يفرض تحديات على أنظمة الدفاع الجوي، خصوصاً عندما تكون تكلفة الصاروخ الاعتراضي أعلى بكثير من تكلفة الطائرة المستهدفة.
ولهذا السبب، أصبحت مواجهة الطائرات المسيّرة وتطوير وسائل منخفضة التكلفة لاعتراضها من الملفات التي تحظى باهتمام متزايد داخل المؤسسات العسكرية الأمريكية.
قاعدة إيغلين ودورها في تطوير الأسلحة
قاعدة إيغلين الجوية ليست قاعدة عسكرية تقليدية فقط، بل تعد من أهم مراكز الاختبارات والتقييم التابعة للقوات الجوية الأمريكية.
ويضم الجناح التجريبي رقم 96 في القاعدة منشآت ومجالات اختبار تستخدم لتقييم الأسلحة والأنظمة الجوية وأنظمة التوجيه والملاحة والقيادة والسيطرة.
وتغطي منطقة الاختبارات الجوية التابعة لإيغلين مساحة واسعة من المجال الجوي فوق خليج المكسيك، ما يجعلها مناسبة لاختبارات الطائرات المسيّرة والأسلحة الجوية.
وبسبب طبيعة هذه الأنشطة، فإن سقوط طائرة تجريبية أو مسيّرة في البحر ليس أمراً مستبعداً، كما أن القوات الأمريكية لديها وسائل بحرية مخصصة للمساعدة في استعادة بعض الطائرات والأهداف التي تسقط أثناء الاختبارات.
وقد أشارت The War Zone إلى أن القوات الجوية تستخدم قوارب لاستعادة طائرات مسيّرة وأهداف جوية بعد التدريبات والاختبارات في مياه الخليج.
طائرة صُممت لمحاكاة التهديد الإيراني
تكمن أهمية الحادثة في أن الطائرة التي عثر عليها الصيادون تمثل في حد ذاتها جزءاً من التحول الذي أحدثته الطائرات المسيّرة الإيرانية في التفكير العسكري الأمريكي.
فطائرة شاهد-136 أصبحت نموذجاً للطائرة الهجومية منخفضة التكلفة التي تستطيع الوصول إلى أهداف بعيدة دون الحاجة إلى منصة إطلاق ضخمة أو طائرة مأهولة.
ولهذا عملت الولايات المتحدة على دراسة هذه التكنولوجيا وتطوير طائرات مشابهة يمكن استخدامها لمحاكاة التهديد أثناء الاختبارات.
وتسمح مثل هذه الطائرات للقوات الأمريكية باختبار قدرات الدفاع الجوي ضد أهداف تشبه تلك التي قد تواجهها في حرب حقيقية.
وبعبارة أخرى، فإن الطائرة التي عثر عليها الصيادون لم تكن مجرد طائرة مسيّرة سقطت في البحر، بل كانت مرتبطة بتكنولوجيا أصبحت جزءاً من المنافسة العسكرية الحديثة بين الولايات المتحدة وإيران.
من هدف تدريبي إلى سلاح قتالي
وفقاً للمعلومات التي نشرتها The War Zone، بدأت منصة FLM-136 كطائرة هدف مخصصة لمحاكاة الذخائر الهجومية أحادية الاتجاه، ثم تطورت في إطار برنامج LUCAS إلى نظام يمكن استخدامه كسلاح منخفض التكلفة.
وهذا التطور يعكس تحولاً أوسع في استخدام الطائرات المسيّرة.
فقد بدأت كثير من الطائرات غير المأهولة كمعدات للاستطلاع أو التدريب، لكنها أصبحت اليوم قادرة على تنفيذ مهام هجومية معقدة.
كما أن التطور في الاتصالات وأنظمة الملاحة والتحكم سمح لهذه الطائرات بالعمل لمسافات أكبر وبدرجة أعلى من الاستقلالية.
وتشير التقارير العسكرية الأمريكية إلى أن LUCAS يمكن إطلاقه باستخدام وسائل مختلفة، وأنه مصمم للعمل خارج مدى الرؤية المباشرة.
الحرب في أوكرانيا وإيران غيرت حسابات المسيّرات
أصبحت الطائرات المسيّرة أحادية الاتجاه عنصراً بارزاً في الحرب الروسية الأوكرانية، كما لعبت الطائرات المسيّرة دوراً مهماً في المواجهات المرتبطة بإيران.
وقد دفعت هذه التجارب العسكرية الولايات المتحدة إلى الاستثمار بصورة أكبر في تقنيات الطائرات غير المأهولة وفي أنظمة الدفاع المضادة لها.
ويظهر ذلك في تطوير طائرات منخفضة التكلفة يمكن إنتاجها واستخدامها بأعداد كبيرة، إلى جانب تطوير أنظمة قادرة على اكتشاف الطائرات المسيّرة وتعقبها واعتراضها.
وفي مارس الماضي، عرضت CNN نظام LUCAS باعتباره طائرة مسيّرة منخفضة التكلفة مستوحاة من تصميم شاهد-136، مشيرة إلى خصائصها المتعلقة بالحجم والتكلفة والقدرة على حمل حمولة هجومية.
حادثة فلوريدا تفتح باباً جديداً للتساؤلات
رغم أن سقوط طائرة تجريبية خلال اختبار عسكري أمر يمكن أن يحدث، فإن العثور عليها بواسطة صيادين مدنيين يثير عدداً من الأسئلة المتعلقة بعمليات الاختبار والاستعادة.
أول هذه الأسئلة هو مدى قدرة القوات الأمريكية على استعادة الطائرات التي تسقط في البحر قبل وصولها إلى مناطق يمكن أن يعثر عليها المدنيون.
والسؤال الثاني يتعلق بالبيانات التي يمكن أن تحملها الطائرة بعد سقوطها، بما في ذلك أجهزة الملاحة أو الاتصالات أو معدات الاختبار.
لكن لا توجد معلومات تشير إلى أن الطائرة التي عثر عليها الصيادون كانت تحتوي على معلومات حساسة أو أن أي جهة أجنبية حصلت عليها.
كما أن الطائرة كانت متضررة وفقدت أجزاء رئيسية منها، قبل أن تستعيدها جهة حكومية أمريكية.
هل كانت الطائرة هي نفسها التي فقدتها إيغلين؟
حتى الآن، لا يوجد تأكيد علني كامل من القوات الجوية الأمريكية بأن الطائرة التي عثر عليها الصيادون هي تحديداً الطائرة التي فقدت أثناء الاختبار.
المؤكد هو أن قاعدة إيغلين أقرت بفقدان طائرة تجريبية، وأن صيادين عثروا على طائرة مشابهة في المياه القريبة من القاعدة.
أما تحديد النوع والرقم التسلسلي والاختبار الذي كانت تشارك فيه الطائرة، فلم تكشف عنه القوات الجوية بشكل كامل.
ولهذا فإن الربط بين الطائرتين يبدو منطقياً بالنظر إلى الموقع والتوقيت والتصميم، لكنه يظل بحاجة إلى تأكيد رسمي نهائي.
دلالة الحادثة على مستقبل الحرب الجوية
تكشف هذه الواقعة عن جانب من التحول السريع في التكنولوجيا العسكرية.
ففي السابق كانت الطائرات الهجومية بعيدة المدى ترتبط غالباً بمنظومات مكلفة ومعقدة، بينما أصبحت الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة قادرة على أداء بعض المهام التي كانت تحتاج إلى أنظمة أكثر تكلفة.
وهذا التحول يفرض تحديات جديدة على الجيوش.
فإذا أصبحت الطائرات المسيّرة أرخص وأسرع إنتاجاً، فإن أنظمة الدفاع الجوي التقليدية قد تواجه مشكلة اقتصادية، لأن استخدام صاروخ اعتراض مرتفع التكلفة ضد طائرة مسيّرة رخيصة قد لا يكون حلاً مستداماً.
ولهذا تعمل الجيوش على تطوير وسائل اعتراض أقل تكلفة، تشمل أنظمة الحرب الإلكترونية والأسلحة الموجهة والطائرات المسيّرة الاعتراضية وغيرها من التقنيات.
قصة صيد تحولت إلى خبر عسكري
بالنسبة إلى الصيادين الذين كانوا في رحلة بحرية عادية قبالة فلوريدا، لم تكن هناك مؤشرات على أنهم سيعودون إلى الشاطئ ومعهم قطعة من التكنولوجيا العسكرية الأمريكية.
لكن العثور على الطائرة كشف بصورة غير متوقعة عن جانب من برامج اختبار الأسلحة الأمريكية، وعن مدى تأثير التكنولوجيا الإيرانية على تطوير أنظمة أمريكية جديدة.
وتشير الصور والتقارير المتاحة إلى أن الطائرة التي تم انتشالها كانت متضررة وتفتقد أجزاء رئيسية، قبل أن تستعيدها جهة حكومية أمريكية.
أما بالنسبة إلى البرنامج العسكري الذي تنتمي إليه الطائرة، فإن الحادثة تؤكد أن أنظمة LUCAS والطائرات المشابهة أصبحت جزءاً من منظومة الاختبارات والتطوير المرتبطة بالحرب الحديثة ضد الطائرات المسيّرة.
وفي نهاية المطاف، فإن قصة «الطائرة التي اصطادها الصيادون» تحمل دلالة أكبر من غرابة الواقعة نفسها. فهي تعكس كيف انتقلت طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة، ارتبط اسمها بشكل خاص بالحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا، من كونها سلاحاً إيرانياً معروفاً إلى مصدر إلهام لتطوير أنظمة أمريكية مشابهة.
ومع استمرار سباق تطوير الطائرات المسيّرة ووسائل مواجهتها، من المرجح أن تصبح هذه الأنظمة أكثر حضوراً في الاختبارات العسكرية وساحات القتال خلال السنوات المقبلة.
المصادر: CNN، The War Zone، وبيانات ومعلومات منشورة حول قاعدة إيغلين وبرنامج LUCAS.
